‫الرئيسية‬ تحقيقات تقارير بائعات الشاي في الخرطوم.. سحق ناعم بين نيران الحرب ومقصلة “السلطات”
تقارير - سياسة - ضمير إنساني - 26 أغسطس 2026, 13:07

بائعات الشاي في الخرطوم.. سحق ناعم بين نيران الحرب ومقصلة “السلطات”

مداميك – حواء رحمة

تحت مظلات المؤسسات وقرب بوابات الجامعات والمحال التجارية، وفي زوايا الشوارع التي أنهكتها الحرب، تتخذ “ست الشاي” ركناً صغيراً لتبدأ يومها الشاق. تختار موقعها بعناية، يقينًا منها بأن كوب الشاي المخلوط بالقرنفل أو النعناع ليس مجرد مشروب دافئ، بل هو طقس ينتشل الزبائن من وهدة النهار ويصنع مزاجهم. وخلف هذه التفاصيل البسيطة تتوارى حمولة إنسانية ثقيلة؛ فهؤلاء النساء لا يخرجن إلى الفضاء العام رفاهيةً أو جمعاً للثروات، بل يدفعهن جدار ساند من الأطفال والأسر الممتدة التي تعتمد كلياً عليهن لتوفير لقمة العيش. وعلى هذا النحو، اتخذت آلاف النساء في السودان خلال السنوات الأخيرة من بيع الشاي والأطعمة ملاذاً أخيراً، بعد أن تقطعت بهن السبل جراء متواليات الحروب، والنزوح القسري، والانسداد الاقتصادي.

ومع اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023، تضاعفت أعداد النساء القادمات إلى الرصيف؛ إثر توقف أرباب الأسر عن العمل، أو فقدانهم، أو تعرضهم للموت والإخفاء القسري. لكنهن وجدن أنفسهن في مواجهة واقع أشد قسوة؛ إذ طالتهن اتهامات كيدية بالتعاون الاستخباراتي لصالح هذا الطرف أو ذاك. ولم تتوقف المعاناة عند حدود الشبهات الأمنية في مناطق الصراع، بل امتدت لتشمل الملاحقات الشرطية وحملات المصادرة المعروفة بـ “الكشة”، والتي تفرضها أجهزة ولاية الخرطوم، مترافقة مع غرامات مالية باهظة تصل إلى (1,200,000) جنيه، وفي حال العجز عن الدفع يكون البديل هو الحبس والانتظار والحرمان القسري من العمل.

وفي خضم هذه المعمعة، تظل العشرات من هؤلاء النساء ضحايا منسيات تحت وابل الرصاص. ففي منطقة “الوحدة” بالحاج يوسف التابعة لمحلية شرق النيل، حيث اشتدت المعارك في عام 2024 وشهدت المنطقة إطلاق نار مكثفاً، كانت ميري -وهي بائعة شاي شابة وأم لأطفال- تكافح يومياً لتأمين القوت. لم تتوقع ميري أن حياتها ستتوقف بطلقة طائشة انطلقت من سلاح أحد أفراد قوات الدعم السريع، لتستقر في سلسلتها الفقارية وتتركها مقعدة. نقلها الجيران والزبائن إلى المستشفى، ليخبر الأطباء أسرتها بحاجتها لعملية جراحية تكلف (3,000,000) جنيه، وهو مبلغ تعجز عن توفيره. ورغم الصبر والشجاعة اللذين أبدتهما خلال زيارتها في منزلها، حيث لم تكن تخشى شيئاً سوى أن يمس أطفالها سوء، ظلت تعاني لشهور من مضاعفات الإصابة الحادة حتى فارقت الحياة، تاركة أطفالها يواجهون الظروف الأكثر قسوة بمفردهم. وميري ليست حالة فردية، بل هي نموذج لآلاف النساء اللاتي تعرضن للتعنيف، والابتزاز، والسجن، والاتهامات الجائرة خلال هذه الحرب.

وعلى صعيد القرارات والمناورات الرسمية، واجهت بائعات الشاي والأطعمة خلال الفترة الماضية حملات “كشة” منظمة نفذتها محليات ولاية الخرطوم بدعوى تنظيم العمل وضبط الأوضاع الأمنية. وتزامناً مع ذلك، عقد قائد الجيش والقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان اجتماعاً مع عدد من بائعات الشاي يوم الثلاثاء 25 أغسطس 2026، وقدم وعوداً بتخصيص 3,500 كشك دائم للعاملات في المهن الصغيرة والأطعمة والمشروبات الساخنة مع إعفائهن من الرسوم والجبايات. وعقب تلك التصريحات، اجتمع المكلف بوزارة الرعاية الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق حسن أحمد، مع رئيسة جمعية “كل المهن” التعاونية، عوضية كوكو محمود، والتي استعرضت خلال اللقاء الأوضاع الحرجة التي تعيشها العاملات، مشيرة إلى جهود الجمعية في تنظيم القطاع صحياً وأمنياً وتوفير الحماية القانونية للبائعات. ووعد المسؤول المكلف بالتنسيق مع الجهات المختصة لتهيئة بيئة العمل، في وقت واصلت فيه البائعات الشكوى من الغرامات المليارية القاسية والملاحقات ودخولهن الحراسات دون مراعاة لظروفهن الاقتصادية.

تتزامن هذه الإجراءات مع تصاعد موجات التحريض والاتهامات؛ إذ انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي عقب تقدم الجيش في بعض مناطق الخرطوم منشورات تحرض ضد بائعات الشاي اللاتي علقن في المناطق التي كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع، مما فرض عليهن حصاراً مجتمعياً جراء الشائعات التي اتهمتهن بالتعاون مع الدعم السريع. وأدى هذا التعميم إلى جعل البائعات ضحايا للمعلومات المضللة والتضييق، قبل أن تصدر توجيهات من قائد الجيش بعدم مضايقتهن ومحاربة الكافيهات تشجيعاً لعودة المواطنين، بعد أن كانت محليات الخرطوم قد فرضت أوقاتاً صارمة للعمل لا تتجاوز الساعة الخامسة مساءً. وفي المقابل، تفرض قوات الدعم السريع طوقاً أمنياً على بائعات الشاي والقهوة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وحرمت أعداداً منهن من العمل في عدة مدن أبرزها نيالا، بناءً على اتهامات مقابلة لهن بالتعاون مع الجيش والاستخبارات العسكرية، مما زاد من وتيرة معاناتهن اليومية، لا سيما وأنهن يفقدن أزواجهن ومعيليهن في هذه الحرب.

ويرى المهتمون بشؤون المهن الهامشية وحقوق الإنسان أن إثبات أية تهمة أو مخالفة على أفراد محددين لا ينبغي أن يتحول إلى عقاب جماعي لآلاف النساء اللائي يعملن بشرف لتوفير الرزق. فكثير من هؤلاء البائعات هن زوجات لجنود أُصيبوا أو تُوفوا في الحرب، أو أمهات لشباب قضوا في النزاع المسلح. ويؤكد حقوقيون أن المسؤولية الجنائية فردية بحتة، وأن تطبيق العقوبة ينحصر في من تثبت إدانته فقط دون تعميم التهمة على الفئة ككل.

وفي هذا السياق، كشفت الناشطة في قضايا حقوق الإنسان والمجتمعات المحلية، فاطمة كندة، في حديثها لـ”مداميك” عن تدهور الوضع المعيشي للبائعات اللاتي أصبحن العائل الوحيد لأسرهن، موضحة أن بيع الشاي والقهوة مهنة شريفة تعتمد عليها النساء لإعالة أسر تضم أرامل، ونازحات، ومطلقات، وفقد بعضهن المعيل بسبب الإخفاء القسري أو العجز المرضي. وأكدت كندة أن هذه المهنة البسيطة تسهم في تحريك الاقتصاد المحلي وتأمين احتياجات الأطفال من تعليم وعلاج وغذاء. وأشارَت إلى أن تقييد المهنة وفرض غرامات تتراوح ما بين 500,000 إلى 1,200,000 جنيه، أو الحبس لعدة أيام لعدم القدرة على الدفع، يمثل عبئاً إضافياً يستنزف الدخول المحدودة، ويزيد من مخاطر تسرب الأطفال من المدارس ودخولهم سوق العمل مجبرين، مطالبةً بضرورة حظر الغرامات والاستعاضة عنها بتنظيم المهنة في أماكن آمنة بالتشاور المباشر مع العاملات.

وعلى المستوى الميداني، تعبر الشهادات الحية عن عمق المأساة؛ إذ تتحدث زينب لـ”مداميك” ، وهي بائعة شاي بالحاج يوسف تعيل أسرة من 10 أفراد بينهم أيتام أختها المتوفاة، بحسرة قائلة: “أعمل في هذه المهنة منذ 10 سنوات وهي مصدري الوحيد. بعد قرارات المنع والتضييق أصبحت لا أعرف كيف أوفر الطعام ومصاريف الدراسة للأطفال، وأطالب المسؤولين بالجلوس معنا وإيجاد بدائل تحفظ كرامتنا ورزقنا”.

وتشاركها المأساة نهلة، وهي مطلقة وأم لابن وتعمل بائعة شاي منذ 13 عاماً، حيث تعرضت خلال الحرب لإصابة أدت لبتارة إحدى يديها، لكنها واصلت العمل بيد واحدة لتوفير العلاج والتعليم لابنها. تقول نهلة لـ” مداميك”: “بعد قرار المنع توقفت عن العمل وأصبحت عاجزة عن توفير الاحتياجات الأساسية، لقد وضعونا أمام خيارات خالية من الرحمة بين المعاناة أو العمل الذي أصبح شبه مستحيل”.

ويبقى السؤال المفتوح بين واقع معيشي ضيق وحرب تُستغل فيها الفئات الأضعف: هل ستتوقف أجهزة السلطة عن ملاحقة هؤلاء النساء وامتصاص دخولهن الضئيلة عبر الجبايات، أم ستظل هذه الفئة ضحية للتضييق والاستقطاب السياسي؟ إن حماية بائعات الشاي وتنظيم عملهن ليس مجرد إعلان عابر، بل هو اختبار لمدى القدرة على منع تفاقم الجوع وتشرد الأطفال وسقوط المجتمع في أتون أزمات أكثر عمقاً.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *