‫الرئيسية‬ أخبار من إسقاط التهم إلى الحصانة.. هل يفتح البرهان الطريق أمام الحوار السوداني؟
أخبار - تقارير - سياسة - 15 أغسطس 2026, 19:48

من إسقاط التهم إلى الحصانة.. هل يفتح البرهان الطريق أمام الحوار السوداني؟

مداميك: رندا علي

أعاد رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان رسم الإطار القانوني للمشاركة في الحوار السوداني-السوداني المرتقب، معلناً موافقة القيادة على مبادرة وطنية تهدف إلى إطلاق حوار شامل يقود إلى توافق وطني واستكمال مؤسسات الحكم، وفي مقدمتها تشكيل المجلس التشريعي.

وخلال كلمة وجهها إلى الشعب السوداني وأبناء القوات المسلحة بمناسبة الذكرى الـ72 لتأسيس الجيش، أكد البرهان توفير الضمانات القانونية والأمنية واللوجستية اللازمة لإنجاح الحوار، مشدداً على أن الدولة لن تتولى تنظيمه أو صياغة أجندته، وإنما ستعمل على تسهيله وحماية المشاركين فيه.

ويأتي إعلان البرهان في ظل جدل سياسي وقانوني واسع أثارته في وقت سابق أنباء عن إمكانية إصدار عفو عن عدد من قيادات قوى الحرية والتغيير، على خلفية بلاغات وإجراءات قانونية طالت شخصيات مدنية وسياسية خلال سنوات الحرب.

غير أن البرهان قدم في التطور الأخير تصوراً مختلفاً لطبيعة الضمانات، موضحاً أنها لا تقوم بالضرورة على مفهوم العفو القانوني، وإنما تتضمن ثلاثة محاور رئيسية.

ويتمثل المحور الأول في وقف الإجراءات الجنائية وإسقاط التهم، إذ أوضح البرهان أن هذا الإجراء لا يعني العفو القانوني، الذي يرتبط بصدور إدانة قضائية، وإنما يتعلق بوقف واستكمال الإجراءات الجنائية المعلقة.

أما المحور الثاني فيتعلق بـالحصانة الإجرائية المؤقتة، التي تتيح للمشاركين الانخراط في الحوار من دون الخشية من الملاحقة المباشرة خلال فترة انعقاده، مع بقاء حقوق الأفراد والشاكين الناشئة عن البلاغات الخاصة قائمة.

ويتمثل المحور الثالث في الحصانة الموضوعية وحرية التعبير، التي تمنح المشاركين حماية كاملة ودائمة من الملاحقة المستقبلية بسبب الآراء أو المواقف أو المقترحات التي يطرحونها داخل جلسات الحوار.

جدل قانوني حول طبيعة الإجراءات

ويضع هذا التطور حداً نسبياً للالتباس الذي رافق الحديث عن “العفو” عن قيادات سياسية، إذ يميز بين إسقاط التهم ووقف الإجراءات من جهة، والعفو عن أشخاص صدرت بحقهم أحكام قضائية من جهة أخرى.

وكان القيادي في تحالف قوى الثورة “صمود” عمر يوسف الدقير قد اعتبر أن رفض الحرب والدعوة إلى وقفها وحماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين لا تمثل جرائم تستوجب العفو، وأن إلغاء الإجراءات القانونية التي يرى التحالف أنها تعسفية يمثل تصحيحاً لها وليس عفواً عن مذنبين.

في المقابل، تتهم السلطات القضائية والرسمية في السودان عدداً من القيادات السياسية بالتحريض والمعاونة والاتفاق والمساعدة في تأجيج النزاع، واتخاذ مواقف سياسية وخارجية اعتبرتها السلطات مساندة لقوات الدعم السريع ومناهضة لمؤسسات الدولة والقوات المسلحة.

وطالت الاتهامات عدداً من السياسيين والناشطين والصحفيين، بينهم رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، فيما تتضمن بعض المواد القانونية الموجهة إليهم عقوبات تصل في حدها الأقصى إلى الإعدام.

ويرى مختصون قانونيون أن الملف شديد التعقيد، نظراً إلى اختلاف طبيعة البلاغات والدعاوى الجنائية والإجراءات التي اتبعتها النيابة، فيما يرى بعضهم أن الجرائم التي تصنف ضمن الجرائم السياسية، وفي حدود ما يسمح به القانون، يمكن أن تشملها ترتيبات العفو وفق الضوابط القانونية.

صلاحيات مجلس السيادة

وكان المحامي سمير مكين قد أوضح أن صلاحيات العفو العام التي كانت مقررة لرئيس الجمهورية انتقلت إلى مجلس السيادة، وتشمل إسقاط الاتهام أو الإدانة والعقوبة في الحالات التي يسمح القانون بالعفو عنها، على أن تمارس هذه الصلاحيات بقرار من المجلس وليس بقرار منفرد من رئيسه.

وبحسب مكين، يملك مجلس السيادة إصدار العفو العام في حالات الاشتباه وتوجيه الاتهام في الجرائم التي يسمح القانون بالعفو عنها، باستثناء الجرائم الحدية، وفق قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991، كما يملك صلاحية إسقاط الإدانة والعقوبة، مع مراعاة القيود المرتبطة بالحقوق الخاصة التي تتطلب موافقة أصحاب الحق أو أوليائهم.

الحصانة كمدخل للحوار

من جانبه، يرى الخبير في العدالة الانتقالية عبد الباسط الحاج أن قضية الضمانات القانونية ينبغي ألا تناقش بمعزل عن طبيعة الجرائم والحقوق المترتبة عليها، مشيراً إلى أن بعض القضايا قد تتداخل مع حقوق خاصة للضحايا والمتضررين.

وقال إن العفو قد يكون وارداً في ما يصنف باعتباره جرائم سياسية إذا لم يرتبط بحقوق خاصة لأشخاص محددين، مؤكداً في الوقت ذاته أن النشاط السياسي في حد ذاته لا ينبغي أن يعد جريمة.

وشدد الحاج على ضرورة عدم امتداد أي عفو إلى الجرائم الخطيرة والانتهاكات الجسيمة، مثل القتل والتعذيب، التي تستوجب المساءلة، معتبراً أن العفو يمكن أن يكون جزءاً من مسار أوسع للمصالحة الوطنية شريطة ألا يؤدي إلى الإفلات من العقاب أو إسقاط حقوق الضحايا والمتضررين.

ويعكس إعلان البرهان بشأن الحصانة الموضوعية انتقال النقاش من فكرة “العفو” عن القيادات السياسية إلى بحث ضمانات قانونية تتيح مشاركتها في الحوار، مع الإبقاء على التمييز بين حرية التعبير داخل العملية السياسية وبين المسؤولية عن الجرائم والانتهاكات.

ويظل نجاح هذه الترتيبات مرتبطاً بطبيعة تنفيذها وحدود الحصانات الممنوحة، ومدى قدرتها على توفير بيئة آمنة للمشاركة السياسية من دون أن تتحول إلى آلية لتعطيل حقوق المتضررين أو إعاقة مسار العدالة والمساءلة في السودان.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *