
منطقة هشة… ليبيا والسودان يدخلان على الخط
مصطفى عبد السلام
ما إن هدأت أصوات النيران والصواريخ والمسيرات في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في الخليج وإيران والأردن، حتى تفجر الوضع واندلعت مواجهات عنيفة في دول أخرى، وكأن هناك من يعمل بدأب ووفق خطة ممنهجة على أن تظل تلك المنطقة من العالم، والغنية بالمواد الخام والنفط والغاز والثروات الطبيعية، ساخنة وأمام فوهة مدفع. وعلى سبيل المثال أن ما يجري حالياً في ليبيا والسودان واليمن هو دليل قوي على اتساع رقعة المخاطر الأمنية والجيوسياسية والاقتصادية داخل المنطقة، وهو ما جعلها طاردة لكل شيء، الكوادر البشرية والأدمغة والخبرات والأموال والاستثمارات المحلية والأجنبية والسياح وغيرهم.
في السودان، وبعد هدوء استمر عدة أشهر، اشتعلت الدولة فجأة ونشبت اشتباكات حادة، حيث أطلقت قوات الدعم السريع المدعومة من قوى إقليمية، صباح أمس، سرباً من الطائرات المُسيّرة الانتحارية باتجاه العاصمة الخرطوم ومدينتين في شمال السودان، كما استهدفت المسيرات مدينة الدامر، عاصمة ولاية نهر النيل. وعقب تجدد المواجهات العسكرية هرب آلاف المواطنين وانتشر الظلام في الشوارع وسيطر الفزع على المواطن والأسواق، واختفت سلع رئيسية وتهاوت العملة، ونزح نحو 2500 شخص من مدينة قيسان بولاية النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، وفق أرقام المنظمة الدولية للهجرة.
وفي ليبيا تكهرب الجو فجأة إثر تصاعد مفاجئ وكبير للعنف من قبل أطراف مسلحة. رأينا ضربات عنيفة لقطاع النفط واضطرابات أمنية في الشرق والغرب معاً وفي توقيت متزامن، وقبلها غضب شعبي متصاعد واحتجاجات في مدن عدة واسعة من ليبيا، ومنها العاصمة طرابلس على خلفية انقطاعات كبيرة في الكهرباء، وتأزم الوضع المعيشي، وتردي الوضع الاقتصادي والمالي في الدولة النفطية المهمة ذات الموارد الضخمة من منتجات الطاقة.
ونظرة إلى المشهد الليبي هذا الأسبوع نجد أنه بالغ القتامة، ويكشف عن هشاشة الدولة وضعف الحكومات المتناحرة في ضبط الشارع، فقد جرت عمليات استهداف مصاف نفطية، وضربات بطائرات مسيرة ملغومة استهدفت خزانات الوقود في مجمع الزاوية النفطي، الذي يضم أكبر مصفاة في البلاد، وهو خامس هجوم عليها منذ يوم السبت الماضي، وهو ما أدى إلى اندلاع حرائق في عدة خزانات للوقود، وشح مشتقات الوقود من بنزين وسولار في الأسواق.
والأربعاء جرى هجوم على محطة تحويل جنوب الزاوية سبَّب انقطاعاً تاماً للتيار الكهربائي في مناطق واسعة بجنوب المدينة، وسقطت طائرة مسيّرة بالقرب من خزان الزيوت الأساسي وشبكة الأنابيب في مصنع خلط وتعبئة الزيوت التابع لشركة الزاوية لتكرير النفط، وتجدد العنف في مدينة الزاوية الاستراتيجية، وهو ما أدى إلى حدوث اضطرابات في قطاع النفط، ودفع التطور الأخير والخطير المؤسسة الوطنية للنفط التابعة للدولة إلي القول إنها قد تعلن حالة القوة القاهرة إذا استمرت الهجمات بالطائرات المسيرة على منشآت الطاقة، كما دفعت شركات أجنبية منها “جي.إي” الأميركية إلى تعليق كل أنشطتها داخل محطة كهرباء الزاوية، وسحبت فرقها الفنية من مواقع العمل، والمتضرر هنا هو المواطن الذي يعيش حالة من البؤس المعيشي في دولة تتفوق على دول خليجية في إنتاج واحتياطيات النفط والغاز.
وبعيداً عن المشهد الاقتصادي وعما يحدث في قطاع النفط الحيوي، جرت تطورات مهمة ومتسارعة أخرى منها، استقالة محافظ البنك المركزي الليبي ناجي عيسى إثر خلافات مع أجهزة الدولة، واغتيال اللواء فوزي المنصوري رئيس الاستخبارات العسكرية التابعة لقوات خليفة حفتر في مدينة بنغازي، إثر انفجار عبوة ناسفة في سيارته خارج منزله.
قبل شهور قليلة، كان العالم يراهن على نفط ليبيا وغازها، وأن تنجح الدولة النفطية، عضو منظمة أوبك، في سد العجز في أسواق الطاقة العالمية الناتج عن الحرب على إيران وحجب النفط الخليجي عن العالم وإغلاق مضيق هرمز، وأن تلبي احتياجات أسواق أوروبا القريبة والمتعطشة إلى مشتقات الوقود، لكن ما يجري حالياً يشي بأن ليبيا في حاجة إلى من يساعد أسواقها المنهارة.
نشر المقال علي موقع صحيفة “العربي الجديد”

