‫الرئيسية‬ مقالات استمرار الحرب سيقود البلاد لا محالة إلى مفترق طرق أم إن البلاد بالفعل في مفترق طرق؟
مقالات - 5 أغسطس 2026, 22:58

استمرار الحرب سيقود البلاد لا محالة إلى مفترق طرق أم إن البلاد بالفعل في مفترق طرق؟

بكري الجاك مدني
من معطيات واقع الحال وإفرازات الحرب يبدو أننا أمام تجذر شبه كامل للخيارات الصفرية للفاعلين العسكريين، بمعنى أن الجيش و حلفاءه يتمسكون بتحقيق إخضاع كامل لقوات تأسيس إما بالبندقية وإما بشروط سابقة لأي تفاوض باستدعاء حجة شرعية المؤسسات، باعتبار أن الجيش هو الوريث الأوحد لشرعية الدولة السودانية (رغم صعوبة التمسك بهذا الادعاء)، و بالمقابل تحالف تأسيس يتمسك بندية كاملة للقوات المسلحة باعتباره طرفا في الحرب و في محاولة أن تكون قواته مكافئا موضوعيا للقوات المسلحة قام باستدعاء شرعية موازية بتشكيل حكومة رغم رفض المجتمع الدولي و الإقليمي و طيف عريض من القوى السياسية و المدنية لهذه الفكرة. منطقيا جوهر الأزمة يكمن فى ربط إيقاف الحرب بمسألة الشرعية، وهو الأمر الذي أطال الحرب و قد يطيلها أكثر، لأن المعسكرين في موقف صفري بينما كل طرف يعتقد أن الزمن فى صالحه، و يعول كلاهما على كسب دعم القوي السياسية و المدنية المناهضة للحرب فى سباق الشرعية الذي يعني بالضرورة استمرار الحرب لا نهايتها، و الغريبة كل طرف يلوم القوى المناهضة للحرب لاعتقاد فطير أن كسب دعمها سيرجح كفة شرعيته، و بالضرورة انعكاس ذلك على الواقع الميداني رغم أنه لا يوجد مؤشر موضوعي على صحة هذا الفرضية.
فى المقابل عسكرة الفضاء السياسي و المدني حول القوى السياسية و المدنية لمجرد امتداد للاصطفاف العسكري و أصبحت مواقفها صفرية رغم أن بعضها يناور، إذ ينطبق هذا وقع الحافر بالحافر على القوى السياسية و المدنية الداعمة و المتحالفة و المشاركة فى سلطتي الأمر الواقع. اقليميا هناك اصطفاف أيضاً و ليس وساطة حقيقية تعمل على توليد البدائل و تخليق معادلات رابحة لكل الأطراف و دوليا العالم مصاب بما يعرف با empathy and intellectual fatigue أي الإرهاق الفكري و تراجع القدرة على التعاطف، و من متابعات عديدة يبدو أن المجتمع الدولي اضحي يفكر في خطوات صغيرة مثل خفض التصعيد، حماية البنية التحتية، إجراءات محدودة لحماية المدنيين و بشكل عام التركيز على كيفية تحسين الأوضاع الإنسانية، و هذا يعني التفكير فى حلول جذرية و مخاطبة الأزمة الوطنية يبدو أمر معقد و بعيد المنال، و النتيجة التفكير في حلول سريعة و هشة quick fix هدفها ليس حتى إدارة الأزمة، بل بالكاد تجميد الصراع وانتظار فرص حدوث متغيرات دون عناء التفكير في كيف و متى، و بواسطة أي فاعل سيحدث هذه المتغيرات.
مفترق الطرق يتمثل في أن المواقف الصفرية للفاعلين العسكريين، و بالضرورة ينطبق هذا على داعميهم من القوى السياسية و المدنية، كما يتمثل فى مجتمع إقليمي مصطف و بعضه يعمل على إعادة تركيب الدولة المركزية رغم انهيارها شبه التام و إعادة إنتاج مشكلة السودان القديمة المتجددة بإعادة تعريف الحرب بين حكومة مركزية شرعية رأسها الجيش و مجموعة متمردة (تأسيس) يمكن مفاوضتها بنفس منطق المنح و العطاء الذي صبغ طريقة صناعة السلام في السودان منذ امد بعيد. أما تصورات الخماسية عن أن الطريق للسلام من منطق Appeasing Potential Spoilers أي إرضاء المخربين المحتملين هو ليس فقط مدخل معطوب بل منطقيا لا يمكن تطبيقه في سياق ال 124 مليشيا و شعب مقسم و مستقطب. عليه استمرار الخيارات الصفرية بالضرورة يعني استمرار الحرب و استمرار الحرب يعني، بالإضافة إلى مزيد من الخراب و الدمار و الموت، صعود حالة التفكك و توسع سيطرة المليشيات أو ما يمكن أن نطلق عليه Warlords Federation و مع الأخذ فى الاعتبار الإرهاق الفكري و تراجع التعاطف فى ظل عالم يتغير و لم تعد مؤسساته الموروثة قادرة على إحداث أي اختراق يذكر و مع الاصطفاف الإقليمي سيكون الخيار الأسهل للجميع ان يتمسك كل طرف بما في يده و تطبيع حالة التقسيم الماثلة بقبول دولي. أما الذين يعولون على نصر عسكري حاسم فقد يكتشفون أنه كلما لاحت له بارقة فى الأفق يبدو أنه ليس بقريب او كأنه السراب، و أنه لابد من حل سياسي حتى و إن تحقق نصر عسكري.
خلاصة القول إن الانقسام الداخلي مصحوبا بالمواقف الصفرية لمعسكري الحرب و حلفائهما من القوى المدنية و السياسية مقرونا بالمعادلات الاقليمية و الدولية تشير إلى أننا إزاء مفترق طرق لأنه ببساطة إعادة تركيب الدولة المركزية، و إن تم لداعميه الإقليميين، لا يوقف الحرب و بكل تأكيد لا يخاطب جذور و أمهات الأزمة الوطنية، عليه إذا أخذنا هذه كمعطيات فى معادلة رياضية (ما لم تحدث معجزات أو متغيرات كبيرة) فنحن نقترب من مفترق الطرق بشكل حثيث.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *