
ناجيني به وآنسني
يوسف الغوث
يتجاوز مفهوم حديث الليل كونه مجرد سمرٍ ليلي، ليصبح في التحليل الفلسفي، ظاهرة معرفية وجودية تنقد العقل النهاري، حيث يمثل النهار سطوة الإدراك المادي المختزل للأشياء و ظواهرها الخارجية تحت حكم السببية والمنفعة،
بينما يشكل حديث الليل قطيعة مع هذا النموذج بغياب المرجع البصري الذي تنهار معه ثنائية الذات والموضوع،
وذلك عبر تحول الوعي إلى انكفاء تأملي خالص يتحرر من سلطة الحدس الحسي الكانطي، وفي المقابل تكشف نظرية الوجود السلبية في هذا الظلام عن مواجهة وجودية جذرية للعدم، حيث يفضح القلق هشاشة الوجود اليومي ومن ثم يسقط الأقنعة الاجتماعية ليكشف الجوهر المتعالي للذات،
فتصير لحظة الموت أفقاً لفهم الحياة لا غائباً عنها، ثم يأتي الدور على تفكيك الدال حيث يتحرر الحديث الليلي من القيد المرجعي الصارم الذي يفرضه النهار على اللغة، فتفيض الدوال وتتوالد المعاني في فضاء تأويلي مفتوح يتجاوز المنطق الأرسطي،
عندما يمتد البصر إلى المنظور الصوفي، فإن هذا المفهوم ينتقل نقلة وجودية كبرى من مواجهة العدم القلقة إلى استقبال الفيض الإلهي،
ان الليل عند سالك الطريق ليس ستاراً للرعب الوجودي بل هو حجاب من النور يحجب المادة لتتجلى أنوار المعاني، حيث تغرب شمس الحواس الخمس لتشرق شمس البصيرة السادسة، فتسقط الكثرة وتثبت وحدة الوجود، ويتحول الحوار العقلي إلى مناجاة سرية تذوب فيها ثنائية المتكلم والمخاطب في بحر الصفات الإلهية،
هنا يتحقق الفناء الأكبر الذي لا يعني العدم العدمي بل فناء الإرادة الجزئية في الإرادة الكلية، وبذلك يختلف الخوف الصوفي عن القلق الوجودي جذرياً؛ فهو خشية هيبة الجمال الجبار لا رعب الفراغ،
اما نار الشوق فهي نار نورانية تشوي الروح لعشق الأزل لا لعذاب المجهول، فتتحول الخلوة الليلية من عزلة ميتافيزيقية قاتمة إلى خلوة أنس،، يتجلى فيها الحق للمريد عبر مقام الكشف،
حينها يصير الزمان مكاناً للإشراق والسماع الباطني، ويصبح حديث الليل هو مقام الإنسان الكامل الذي يعكس التجلي الذاتي للوجود، فتنفتح للقلب حدائق المعرفة الذوقية التي لا تنال بالبرهان العقلي ولا بالتأويل المنطقي، بل بالكشف والوجد الذي يمحو الحجاب بين العارف والمعروف،
وهكذا تتجلى الجدلية الكبرى في أن حديث الليل ليس نقيضاً هروبياً من النهار، بل هو شرطه المتعالي؛
ان النهار هو أطروحة الفعل والاندماج في عالم الأسباب والملكوت الأدنى، والليل نقيضه المتمثل في العزل والتأمل الذي يفضي إلى الملكوت الأعلى، والتركيب الحقيقي لا يتحقق إلا بهذه العودة التأملية التي تكسر أسْر المألوف، وتستعيد للوعي دهشته الوجودية الأولى تجاه الكينونة، حيث لا نفكر في الأشياء بقدر ما نفكّر في التفكير ذاته،
ولا نعرف المطلق من خارج حدوسنا، بل نوجد فيه ونحن نحدثه حديث النفس لنفسها،
وعندها يتحول الوعي إلى حالة من النقد الذاتي الخالص الممزوج بالذوق الرباني الذي يعيد بناء معنى النهار من داخله، ليصبح الليل
إن الليل هو عرين العقل المتجرد، ومعبد الروح المتألهة، ومختبر الإنسان حين يخلع رداء الأنا ليلبس ثوب الحقيقة المطلقة…..
بحديث الليل حدثتي
تاجيني به وآنسني
جوة الخلوات احبسني
واقفل للباب تربسني
لدروع الحال لبسني
في بحر الحب اغمسني
بهذه الابيات الشعرية يعود بنا مولانا الخليفة عبد الرحيم البرعي ليكمل حديث الليل باعتباره مقام الانسان الكامل،،فهذا الانسان لا يهرب من النهار،بل يستوعب النهار في ليله ويشرق الليل في نهاره،وعندها يصير الزمان كله مكان للاشراق ثم يصبح المكان زمان للخلود
أما فتح الأبواب المغلقة ليلا فغالبا ما يتم بلا اله الا الله ،،والتي يتم عبرها خلع رداء الانا ويحل محلها ثوب الحقيقة المطلقة
عندما تخرج من خلاوتك الي عالم النهار فلن تري الاشياء كما تراها العين ،،لان الرؤية حينها ستتحول الي عين قلبك التي اضاءتها شمس البصيرة السادسة،
فتصبح في الدنيا وليس منها ومع الناس وقلبك مع الحق
سبحان من جعل الليل و النهار امانا للخائفين وغنيمة للعاشقين …

