‫الرئيسية‬ مجتمع أخبار خطر يتمدد.. الكوليرا تضاعف ويلات الحرب
أخبار - تقارير - 5 أغسطس 2026, 16:31

خطر يتمدد.. الكوليرا تضاعف ويلات الحرب

إسماعيل حسابو
​حذرت منظمة «بلان إنترناشيونال» المعنية بحقوق الأطفال من أن الوضع الإنساني والصحي في مدينة الأبَيّض يتجه بخطى سريعة نحو كارثة مطبقة؛ إذ يعصف تفشٍّ فتاك لمرض الكوليرا بأحياء عاصمة ولاية شمال كردفان ومخيمات النازحين فيها، بالتزامن مع شلل شبه تام في المرافق الطبية والبنية التحتية جراء تداعيات النزاع المسلح المستمر.
​وأكدت المنظمة، في تقرير حديث، أن مئات الآلاف من سكان مدينة الأبَيّض يواجهون كارثة إنسانية مروعة جراء التفشي المميت لمرض الكوليرا، بالتزامن مع نقص كارثي في الغذاء ومياه الشرب. ونقل التقرير عن المدير القطري لمنظمة «بلان إنترناشيونال» في السودان، محمد كمال، قوله إن المدينة باتت تحت وطأة أزمة معقدة ومتشابكة تتداخل فيها تداعيات الكوليرا والجوع الحاد وشح المياه النظيفة.
​وأوضح التقرير، الصادر الجمعة الماضي، أن مدينة الأبَيّض—التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى ملاذ لعشرات الآلاف من الفارين من القتال في كردفان ودارفور—تشهد اكتظاظاً شديداً في مواقع النزوح، بينما تعجز البنية التحتية والخدمات الصحية عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين. ومع هطول الأمطار الغزيرة والنقص الحاد في الغذاء ومياه الشرب النظيفة، أضحت الفئات الأكثر هشاشة—وعلى رأسهم الأطفال والفتيات—في مواجهة مباشرة مع خطر الموت المزدوج بسبب المرض والجوع الشديد.
​والسبت، حذر ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في السودان، شيلدون ييت، من انتشار وباء الكوليرا على نطاق واسع في مدينة الأبَيّض نتيجة تدهور الظروف الصحية والتعذر الشديد في توفير المياه النظيفة. وقال لوكالة “فرانس برس” إن الأوضاع الإنسانية في الأبَيّض بلغت مستويات مقلقة جراء استمرار انتشار الوباء في إقليم كردفان، محذراً من أن حركة النزوح المستمرة قد تسهم في نقل العدوى إلى مناطق أخرى، ما يهدد بتوسيع نطاق الأزمة الصحية في البلاد.
​وكشف ييت، في أعقاب زيارة ميدانية أجراها إلى المنطقة منتصف يوليو الماضي—وهي الثانية له خلال شهرين—عن تدهور إضافي في الأوضاع الإنسانية مقارنة برصده السابق. وأوضح المسؤول الأممي أن التفشي الوبائي ارتبط بانتكاسة صحية عامة؛ حيث أدى ارتفاع معدلات المرض إلى فقدان أجساد السكان—ولاسيما الأطفال—القدرة على امتصاص العناصر الغذائية، مما أدخل المنطقة في حلقة مفرغة من تفاقم سوء التغذية. وأشار ييت إلى أن هذا المشهد القاتم يزداد تعقيداً مع التعثر الحاد في إيصال الإمدادات الطبية والإغاثية، نتيجة المخاطر الجسيمة والهجمات المسلحة المتكررة التي تستهدف الطرق الاستراتيجية.
​لم تكن الأبَيّض البؤرة الأولى لتفشي الكوليرا، فقد جاءها الوباء بمثابة محطة متأخرة لكنها تبدو الأكثر خطورة في مسار انتشار العدوى التي تسللت عبر مناطق عديدة في ولاية غرب كردفان، والتي عانت مبكراً تحت أهوال الوباء القاتل. لكن مع حركة نزوح آلاف الفارين من مناطق المواجهات في غرب كردفان، وبحكم الكثافة السكانية العالية للأبَيّض وتكدس أعداد ضخمة من النازحين، تحولت المدينة سريعاً إلى الحجم الأكبر والأكثر رعباً للبؤرة الوبائية.
​وفي جذور الأزمة، يعود التاريخ الأول لتفشي المرض بمنطقة “فوجا” التابعة لمحلية النهود في ولاية غرب كردفان إلى مطلع العام 2025؛ حيث ظهرت وقتها أعراض الإسهال المائي الحاد والقيء والجفاف القاتل على عدد من السكان قبل أن تتراجع الموجة مؤقتاً، لتعود أشد ضراوة.
​تزامن تفشي الوباء مع انهيار كامل للبنى التحتية لمياه الشرب، ما دفع الأهالي في كثير من تلك المناطق للجوء إلى الآبار المهجورة وتنظيفها يدوياً لاستخراج مياهها الراكدة، لتتحول تلك الخطوة الاضطرارية إلى بؤرة انطلاق لموجة التفشي الجديدة، التي تمددت سريعاً لتتجاوز حدود الولاية وتضرب قرى في غرب بارا وأطراف مدينة الأبَيّض بولاية شمال كردفان.
​وعلى مدى الأشهر الماضية، شهدت محليات واسعة في ولاية غرب كردفان—وفي مقدمتها النهود، ود بندة، أبو زبد، والخوي—تفشياً غير مسبوق للوباء؛ وحسب مصادر موثوقة تم رصد مئات الحالات المؤكدة والوفيات وسط انهيار شبه تام للقطاع الصحي. ووفقا لتلك المصادر، شهدت المرافق الطبية شحاً حاداً في الأدوية الأساسية والمحاليل الوريدية الخاصة بعلاج الإسهالات المائية الحادة، إلى جانب النقص الحاد في الكوادر ونفاد أملاح التروية الفموية، مع توقف أعداد كبيرة من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة جراء الاستهداف وانعدام المعينات.
​وفي السياق ذاته، شهد شهر يوليو الماضي تسارعاً مقلقاً في منحنى انتشار المرض، ليمتد شرقاً نحو العاصمة الخرطوم، وغرباً لتصل أحدث إشعاعاته الوبائية مؤخراً إلى معسكرات النزوح المكتظة في إقليم دارفور، وسط تحذيرات طبية متصاعدة من انهيار وشيك لنظم الاستجابة الصحية.
​وفي حصيلة رسمية تعكس حجم التدهور الصحي الشامل، أعلن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا) عن تسجيل أكثر من 2000 حالة اشتباه بالإصابة بالكوليرا، و170 حالة وفاة في مناطق متفرقة من السودان منذ مايو الماضي، مؤكداً أن العبء الأكبر لهذه الحالات يتركز بشكل أساسي في إقليم كردفان. وأوضح المكتب الأممي أنه ورغم العوائق الميدانية والتحديات اللوجستية المعقدة، تواصل الطواقم الميدانية تكثيف استجابتها للحد من انتشار الوباء، عبر دعم نحو 80 موقعاً للترصد الوبائي و16 مركزاً للعلاج والإنعاش في المناطق المتضررة.
​واتساقاً مع هذه التقييمات، حدد ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان، الدكتور شبل صهباني، نطاق الخطر بدقة؛ إذ ذكر للصحفيين في جنيف في العاشر من يوليو قائلاً: “عادت الكوليرا للظهور”، مؤكداً أنها تؤثر على عدة ولايات، ولا سيما في الجزء الغربي من البلاد في دارفور وكردفان. وكشف صهباني عن رصد أكثر من 1330 حالة إصابة مؤكدة و114 وفاة، محذراً من أن معدل الوفيات يبلغ حالياً 13.7%، وهو معدل مرتفع للغاية، متوقعاً أن يؤدي موسم الأمطار إلى تفاقم الوضع. ورجح المسؤول الأممي أن تكون الأرقام الفعلية أعلى بكثير، موضحاً أن الأزمة تأتي في وقت يحتاج فيه أكثر من 33 مليون شخص في السودان للرعاية والإغاثة، بالتزامن مع تفشي أوبئة أخرى كحمى الضنك والملاريا والتهاب السحايا.
​وحسب مختصين، تتداخل عدة عوامل رئيسية جعلت من تفشي وباء الكوليرا أشد خطورة وتمدداً، يتقدمها الاعتماد القسري للسكان على منابع مياه غير آمنة ومكشوفة اختلطت بمياه السيول، يضاف إليها النمط الاجتماعي القائم على التزاور والتصاق البيئات الريفية مما سرّع نقل العدوى داخل الأسرة الواحدة خلال ساعات معدودة، فضلاً عن الانهيار التام لسلاسل التبريد اللازمة لحفظ اللقاحات الفموية جراء الانقطاع المتواصل للكهرباء وانعدام الوقود، وعجز منظمات العلاج عن الوصول بسبب التحديات الأمنية واللوجستية التي تفرضها الحرب.
​وتوضح أدبيات منظمة الصحة العالمية الطبيعة الشديدة الضراوة لهذا الوباء؛ إذ تُعرّف الكوليرا بأنها عدوى إسهالية حادة تنجم عن تناول طعام أو شرب مياه ملوثة ببكتيريا “ضمّة الكوليرا”. وتكمن خطورة هذا الوباء الذي يصيب الأطفال والكبار على حد سواء في أن فترة حضانته القصيرة جداً—والتي تتراوح بين ساعتين وخمسة أيام—تزيد من قابلية التفشي للانفجار السريع وقدرته على قتل المريض في غضون ساعات قليلة إذا لم يُعالج. وما يعقد جهود التقصي الميداني في مناطق النزاع هو أن نحو 75% من المصابين بالعدوى لا تظهر عليهم أية أعراض ظاهرة، رغم استمرارهم في طرح البكتيريا في البيئة المحيطة لمدة تتراوح بين 7 و14 يوماً، مما يؤدي إلى نقل العدوى خفية لأشخاص آخرين. وتتسبب الكوليرا عالمياً في تسجيل ما بين 3 و5 ملايين حالة إصابة، ووفاة نحو 100 ألف إلى 120 ألف شخص سنوياً.
​ويرتفع منسوب القلق الإنساني بشكل خاص حول مدينة الأبَيّض، حيث نبّه ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان، الدكتور شبل صهباني، إلى أن الوصول إليها لا يزال محدوداً للغاية، بينما تواجه المرافق الصحية الهشّة هناك اكتظاظاً وضغوطاً غير مسبوقة. ورغم تخزين المنظمة لمستلزمات علاجية تكفي 25 ألف شخص، أقرّ المسؤول الأممي بعدم كفايتها، مشيراً في الوقت ذاته إلى كسر جزء من العزلة الميدانية عبر إرسال 8.5 أطنان من الإمدادات الطبية إلى كادقلي والدلنج بجنوب كردفان، في أول شحنة تصل المنطقة منذ ديسمبر 2024.
​وفي مؤشر آخر يبرز خطورة الوضع واتساع نطاق التهديد، أعلنت المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور عن رصد حالات مؤكدة بالمرض؛ حيث أوضح المتحدث باسم المنسقية، آدم رجال، تسجيل سبع إصابات مؤكدة بالكوليرا توزعت بين جنوب ووسط وشمال دارفور خلال الفترة من 5 إلى 25 يوليو الجاري.
​وفي المقابل، تؤكد الكوادر الطبية والفرق المتطوعة أن الأرقام المسجلة لا تعبر إلا عن جزء بسيط من الواقع الفعلي؛ إذ تحول المخاطر الأمنية وصعوبة التنقل وسيطرة الأطراف المتصارعة دون وصول فرق الرصد والتقصي إلى عشرات القرى النائية. وتبقى السيطرة على هذا الوباء العابر للحدود الإدارية مرهونة بفتح مسارات إنسانية آمنة بشكل عاجل، وتوفير شحنات إغاثية مكثفة من المحاليل وأدوات تعقيم المياه، قبل أن يتحول الإقليم إلى بؤرة استنزاف صحية لا يمكن احتواؤها.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *