
سوق ستة و(الإفقار السريع).. شرق النيل تُرهق التجار بالجبايات وتضايق معايش المواطنين
غرامات مليارية وملاحقات وكشات أسبوعية
باعة وتجار في سوق ستة الحاج يوسف ما بين جحيم المحلية وضيق العيش
الخرطوم: مداميك
تطوق سيارات الدفع الرباعي والشاحنات (الدفارات) المدججة بالأسلحة السوق ويقتحمه الجنود حاملين بنادق الكلاشنكوف وخراطيم المياه المخصصة للضرب، في مشهد أشبه بما كان يعانيه السوق خلال سيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة في شهور سابقة، ووسط هذه الحالة يعيش التجار والباعة بسوق ستة الحاج يوسف بمحلية شرق النيل، حالة من الهلع والخوف اليومي بسبب حملات “الكشة” والمطاردات التي تنظمها المحلية مستعينة بوحدات شرطية وتشكيلات عسكرية مختلفة، يصاحبها تكسير للمظلات وازالة للطبالي والترابيز المملوكة للباعة، بجانب اعتقال من يعترض وفرض الغرامات التي وصفها التجار بالمليارية.
ابو عبد الله صاحب محل (دكان) ويعمل منذ سنوات بسوق ستة، قال إنهم كانوا يدفعون تحصيلات للمحلية باستمرار وكانت الجبايات محدودة، ولكن بعد الحرب تفأجوا بحملة منظمة وشرسة من السلطات المتمثلة في المحلية، تأمر التجار بإغلاق المحال واعتقال ودفع غرامة تصل إلى مليون وخمسمائية ألف جنيه، الأمر الذي جعلهم في حالة من القلق والتوتر والاحساس بالظلم، واصفا ما يحدث بأنه إفقار للتجار ودفعهم للهروب للولايات.
صغار الباعة.. إنذار الكشة كجرس الصباح
يتوزع الباعة بين أطراف السوق، وهم أول من يلمح دفار الحملة (الكشة) وهنا عليهم تنبيه البقية ليهموا بلملمة بضاعتهم التي لا تتعدى قيمتها عشرات الجنيهات خوفا من المصادرة والغرامة والانتظار ساعات طويلة على متن دفار (الكشة) تحت اشعة الشمس الحارقة حال توقيفهم.
بعد حملات متكررة تحول السوق الى ساحة كبيرة من الأوساخ والفوضى بسبب المطاردة الاسبوعية للتجار والباعة، الوجوه يظهر عليها الاحباط والحيرة ولا احد يستطيع أن يعترض، وإلا سيجد نفسه في (دفار الكشة) متهما يتعرض للترهيب والوعيد، بهذه العبارات وصف عبد الله عبد الرحمن ما يحدث وأضاف: “ما عندنا تعليق تتكلم تلقى نفسك متهم وعرضة للاعتقال والغرامة”.
بين نارين
منذ بداية الحرب اعتمدت الاسر على عمل النساء والاطفال بالسوق بدلا من ارباب الاسر والشباب بسبب المضايقات الأمنية والمخاطر الكبيرة التي تهدد حياتهم.
عبد الباقي حسن شاب في الثلاثين من عمره يعمل بالسوق منذ سنوات وصف ما يحدث قائلا: “انه الفشل بعينه ماذا يريدون من شباب تقطعت بهم السبل ونجوا من الموت وعادوا ليعملوا عملا شريفا ليعيلوا أسرهم بعد أن فقدوا مصادر دخلهم، ووجهه حسن سؤالا (ماذا يفعل رئيس الوزراء) تجاه ما يحدث من اهانة ومعاناة للمواطنين، مضيفا انهم كمواطنين لم يروا أي قرارات منصفة تتيح للمواطن العمل والاستقرار وتوفير الخدمات، مشيرا الى ان المحلية تحصلت على مبالغ كبيرة بسبب حملاتها الاسبوعية التي تمارس بحق التجار والباعة.
في السياق طالب مواطنون عبر منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بإقالة المدير التنفيذي لمحلية شرق النيل والمسؤولين بادارة محلية شرق النيل والمشرفين بصورة مباشرة من الحملات الممنهجة ضد التجار بسوق ستة، ووجهوا اتهاما للمسؤولين عن ما يطلق عليها (الحملة) بتحصيل مبالغ بصورة غير قانونية واخضاع التجار الى غرامات قاسية وترهيب وتهديد بالسجن، ووصفوا هذه الجبايات بالفساد.
وقد تعجب التاجر عبد الرحمن عبد الكريم من التهجم على الدكاكين المصرح لها بالعمل واخضاع اصحابها لغرامات بحجة المخالفة، وأضاف ان كل الحملات لا يتبعها مسح بيئي ولا صحي، وما زال السوق كما هو عليه، وهذا إن دل -حسب قوله- يدل على أن الحملات للجبايات فقط، وليس لتنظيم السوق، وتابع (بعد شوية السوف حيكون فاضي ومافي تاجر حيستمر في العمل لانه لا يعقل كل أسبوع ان يدفع مليون وخمسمائية الف جنيه بدون خدمات لا كهرباء، ولا ماء ولا حتى سلال للنفايات.
مطالبة باقالة مسؤولين بمحلية شرق النيل
أصوات كثيرة ظلت تنادي بإقالة الإدارة التنفيذية لمحلية شرق النيل، ودون عدد من المواطنين على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك شكاوى خاطبوا من خلالها رئيس مجلس السيادة بالنظر في شكاوي مواطني محلية شرق النيل وخاصة التجار، ووصفوا ممارسات المحلية بالقاسية والمتعمدة لمضايقة التجار وتضييق فرص العيش عليهم.
وتشمل الجبايات والتحصيل غير القانوني نقاط العبور وبالطرق الرئيسية، وكانت ما يُعرف بـ”اللجنة الفنية لمنع التحصيل الغير قانوني” نفذت زيارة ميدانية داخل ولاية الخرطوم برئاسة المستشار العام د. الحاج آدم، وشملت الجولة معبر قري نقطة السروجية ومصفاة الجيلي وشمل الطواف محلية شرق النيل واصدر خلالها رئيس اللجنة امرا بإزالة عدد من نقاط التحصيل المخالفة للقانون، مشيرا الى ان اللجنة بدأت عملها بالمرور على عدد من نقاط التحصيل.
وفي إشارة الى التحصيل غير القانوني لفت بعض المهتمين الى أن طريقة تحصيل الجبايات ورسوم العمل بالأسواق هي ذات الطريقة القديمة إبان فترة حكم النظام السابق، ولكن اللافت في هذه الطريقة أن الجهات محمية وتشارك أكثر من وحدة أو مؤسسة في رسوم التحصيل، الامر الذي انعكس سلبا على التجار والمستوردين، مشيرين لعدم الرقابة أو التساهل مع هذا السلوك المنفر للتجار الذين عادوا على امل الاستقرار.
وكان المدير التنفيذي لمحلية شرق النيل مرتضى يعقوب، ترأس اجتماعاً في أبريل ٢٠٢٦م مع لجنة تجار سوق ستة بالحاج يوسف، تم من خلالها بحث كيفية تنظيم السوق والتحديات المشاكل التي يعاني منها أصحاب المحال التجارية، بجانب اصحاح البيئة وصحة السوق، وأعلن التجار عن التزامهم بجمع توجيهات المحلية، الا انهم تفأجوا بحملات الكشة الشرسة أو ما يسمى بالـ(حملة).
وفي جولة سابقة لرئيس الوزراء كامل إدريس لاسواق الخرطوم وجه التجار بالسوق العربي بعدم دفع الجبايات، وقال انها افقرت المواطن ووعد بمعالجة المشكلات التي يعاني منها التجار تشجيعا على استقرار العمل.
ويرى مراقبون للشأن الاقتصادي أن الملاحقات غير القانونية للتجار بالأسواق والحملات الاستفزازية والغرامات المليارية أصبحت تشكل بيئة طاردة للتجار خاصة الشباب منهم.
وبحسب تجار بالسوق فإن كل الحملات التي نفذت لا يرافقها اي إصحاح للبيئة أو تنظيم للسوق، مشرين الى أن هذه الحملات عبارة عن جبايات وغرامات فقط واعتبروها استهدافا لاستمرار السوق وحرمان التجار والشباب من العمل في الوقت الذي يعاني فيه الشباب من فرص العمل أو وجود بدائل للاستقرار.
وفي هذا الصدد قال الناشط المهتم بقضايا المجتمعات، محمد علي ابراهيم، إن الحرب تركت آثارا كارثية وجروحا عميقة في مجتمع العاصمة الخرطوم، وأضاف انه بالرغم من العودة الندريجية للعاصمة تبقى المعدلات الاساسية في الخدمات تشكل هاجسا كبيرا، وأكد ان المعضلة الاكبر هي الضائقة الاقتصادية وانهيار الجنيه وقلة فرص العمل، حيث فقد الالاف من أرباب الاسر والشباب وظائفهم، واضطر الغالبية للبحث عن اعمال مؤقتة وحتى تلك لم تسلم من التضييق والملاحقة بواسطة المحليات، اذ مازالت الحملات على الباعة والفريشة وبائعات الاطعمة والمشروبات مستمرة بحجة التنظيم دون مراعاة لظروف هؤلاء الباعة، لافتا الى انه كان من المؤمل ان تكون المحليات اكثر مرونة وحكمة ومراعاة للمواطنين، هذا بجانب الرسوم الباهظة في التصديق وكذلك غرامات المخالفات والضرائب وغيرها.
محال بيع الكريمات
يقول أصحاب محال وتجار مستحضرات التجميل إنهم أكثر الفئات المتضررة من ملاحقات المحلية بحجة المخالفة، وتصل الغرامة الى 5 ملايين جنيه اذا تم ضبط كريمات مخالفة للمعايير كما تصفها المحلية، وفي هذا الجانب يستغرب التاجر صديق بقوله انهم يعلمون تماما أن هذه المستحضرات تدخل البلاد عبر طرق مشروعة، ولكن يتم ملاحقة التجار الذين يعملون في السوق بسببها وهذا تناقض غير معقول، وتابع: “لكن علمنا فيما بعد أنه يتم بيعها مرة اخرى، وتعود الى ذات السوق.. هذا النوع من المعاملة يسبب احباطا للتجار”.
خلاصة
استمرار المطاردات والمغالطات اليومية بين التجار والباعة مع المحلية تحول الى صدام متصاعد برزت من خلاله الاتهامات للمحلية بالفساد، ووصل الامر الى الكتابة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لإيصال صوت التجار، ومطالبات بإقالة وإبعاد المدير التنفيذي لمحلية شرق النيل مرتضى يعقوب.
إذ كان تجار بسوق ستة الحاج محلية شرق النيل اتهموا في وقت سابق قوات الدعم السريع بإحراق السوق ونهب السلع، مشيرين الى ما يحدث الآن بعد خروج الدعم السريع من مسؤولي المحلية يهدد ايضا استقرار السوق عن طريق فرض غرامات كبيرة أثرت في عمل التجار والقضاء على رأس المال.
(ح.ر 05-08)


المعاناة تذداد يوميا في منطقة شرق النيل بسبب الضغوطات المعيشية التي خلفتها الحرب ، في ظل واقع عيش متدني يعاني منه السكان كان يجب المراعاة في الجوانب الاجرائية والقوانين الخاصة بالجبايات والسعي لتحسين الخدمات بدلا من نحر المواطنين واستغلالهم ، يجب النظر في اعادة كثيرا من القوانين والخدمات وتقنين عمل السوق خصوصا وان المستفيدين من حركة السوق يوميا يتعدي الالاف ، وهو امر يجب استغلاله في تحسين حياة ودخل السكان