
حرب الطائرات المسيرة في السودان تحوّل المحاكم المجتمعية إلى ساحات قتل
مداميك :إمباكت إنترناشونال
يوم الأحد الموافق 2 أغسطس/آب 2026، اجتاحت غارة جوية بطائرة مسيرة مشهداً عادياً من مشاهد الحكم المحلي في شمال دارفور. ففي قرية قرا الزاوية، كان زعماء المجتمع وسكانها قد تجمعوا تحت شجرة لحضور جلسة محكمة تقليدية تهدف إلى حل النزاعات المتعلقة بالأراضي والممتلكات والأسر. وبدلاً من إصدار الأحكام والمصالحة، انتهت الجلسة بمذبحة جماعية. فقد لقي ما لا يقل عن 35 شخصاً مصرعهم وأصيب آخرون بجروح عندما استهدفت الطائرات المسيرة التجمع، محولةً بذلك مكاناً للعدالة العرفية إلى ساحة قتل.
لم يقع الهجوم في ساحة معركة أو بالقرب من قاعدة عسكرية، بل استهدف منشأة قضائية عرفية تؤدي وظائف قانونية واجتماعية في دارفور، حيث يتوسط شيوخ القبائل والوجهاء المحليون في النزاعات التي غالباً ما تعجز المحاكم الرسمية عن الوصول إليها أو لا تصل إليها أصلاً. وبحسب شاهد عيان من المنطقة، فقد “عُقدت جلسة المحكمة تحت شجرة بمشاركة قادة المجتمع المحلي.”
وكان من بين القتلى أربعة من زعماء القبائل وقائدان من قوات الدعم السريع، مما يشير إلى وجود عناصر مدنية ومسلحة على حد سواء.
أرقام متضاربة، رعب مشترك
كما هو الحال مع العديد من الحوادث التي أسفرت عن خسائر بشرية فادحة في حرب السودان التي استمرت ثلاث سنوات، أسفرت التداعيات المباشرة عن أرقام مختلفة قليلاً للخسائر. وقد أفادت منظمة “محامو الطوارئ”، وهي منظمة مستقلة لمراقبة المجتمع المدني، بأن طائرات بدون طيار تابعة للقوات المسلحة السودانية استهدفت المحكمة العرفية بقرية الزاوية غرة بمحلية قرع الزاوية الصريف بولاية شمال دارفور، مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 35 شخصا وإصابة آخرين.
وأضافت المجموعة أن “كان الضحايا داخل مبنى المحكمة وفي محيطه المباشر عندما وقع الهجوم.”
في المقابل، قدّرت السلطات المتحالفة مع قوات الدعم السريع عدد الضحايا بأعلى من ذلك. وأدانت الحكومة المعلنة من جانب واحد التابعة لقوات الدعم السريع الهجوم.
“جريمة مروعة”،
أفادت التقارير بمقتل 37 شخصًا وإصابة 50 آخرين. هذه التناقضات ليست غريبة في بيئة المعلومات السودانية، حيث الوصول إلى المعلومات محدود، وتتغير خطوط المواجهة، ولدى السلطات المحلية دوافع لتضخيم حجم الضحايا أو وحشية المهاجم. ومع ذلك، تبقى الحقائق الأساسية متسقة في جميع الروايات: طائرة مسيرة استهدفت جلسة محكمة تقليدية في شمال دارفور؛ قُتل العشرات؛ وأُصيب عدد أكبر بكثير.
النمط الأوسع: الطائرات المسيرة كقاتل رئيسي للمدنيين
لم تكن غارة قارة الزاوية حادثة معزولة، بل هي أحدث حلقة في تحول أوسع نطاقًا للحرب في السودان إلى صراع تهيمن عليه الطائرات المسيّرة. ووفقًا للأمم المتحدة، قُتل أكثر من ألف مدني في غارات الطائرات المسيّرة خلال الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام. صرّح فولكر تورك، المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان ، في خطاب له، بأن هذا العدد المقلق من القتلى يُعزى إلى تصاعد ملحوظ في استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب الأهلية الوحشية التي تشهدها البلاد.
أشارت تقارير سابقة للأمم المتحدة إلى أن الطائرات المسيّرة المسلحة تسببت في أكثر من 80% من وفيات المدنيين في حرب السودان خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، ما أسفر عن مقتل 880 شخصًا على الأقل. ولهذا التحول آثار بالغة على تجربة المدنيين للحرب. فقد استُهدفت الأسواق ومخيمات النزوح وتجمعات الجنائز، والآن المحاكم العرفية، بغارات الطائرات المسيّرة. والنتيجة هي حرب لا يوجد فيها أي تجمع آمن، حيث أصبحت الآليات التي تعتمد عليها المجتمعات لإدارة الصراع والحفاظ على النظام عرضة للتدمير من السماء.
المحاكم العرفية كبنية تحتية اجتماعية وأهداف استراتيجية
لفهم مغزى هذا الهجوم، من المهم إدراك ما تمثله المحاكم العرفية في دارفور. ففي منطقة تعاني فيها مؤسسات الدولة الرسمية من الضعف والإرهاق، أو حتى من استغلالها كسلاح، تُعدّ هذه المرافق القضائية التقليدية بنيةً اجتماعيةً أساسية. فهي تفصل في النزاعات المتعلقة بالأراضي والمياه والماشية والزواج والميراث، وتتوسط بين القبائل والعائلات، وغالباً ما تُشكّل مراكزَ حكمٍ غير رسمية في المناطق التي لا يستطيع فيها الجيش ولا قوات الدعم السريع توفير إدارةٍ مستدامة.
عندما تصف منظمات حقوق الإنسان الهدف بأنه منشأة قضائية مدنية، فإنها تشير إلى مؤسسة محورية في الحياة اليومية لمجتمع دارفور. إن تدمير مثل هذه المنشأة لا يقتصر على قتل الأفراد فحسب، بل يعطل الآليات المحلية التي تمنع تصاعد النزاعات إلى عنف أوسع. وبهذا المعنى، يمكن قراءة الضربة ليس فقط كهجوم على تجمع محدد، بل كهجوم على النسيج الاجتماعي الذي يربط المجتمعات ببعضها في غياب دولة فاعلة.
في الوقت نفسه، يُعقّد وجود اثنين من قادة قوات الدعم السريع بين القتلى أي فصل بسيط بين المدنيين والمقاتلين. ففي حرب السودان، تتشابك هياكل السلطة المحلية تشابكاً وثيقاً مع الجماعات المسلحة. وقد يكون لزعماء القبائل صلات بقوات الدعم السريع أو الجيش؛ وقد تعمل المحاكم المحلية في مناطق تسيطر عليها إحدى الجهتين؛ وقد تضم التجمعات التي تبدو مدنية أفراداً ذوي أدوار عسكرية أو شبه عسكرية. هذا التشابك هو تحديداً ما يجعل حرب الطائرات المسيّرة محفوفة بالمخاطر القانونية والأخلاقية.
الاقتصاد القانوني والأخلاقي للقتل عن بعد
يتناقض صمت الجيش السوداني تناقضاً صارخاً مع الإدانة الصريحة من المجتمع المدني والسلطات الموالية لمنظمة مراسلون بلا حدود. ولم يصدر أي رد فعل فوري من الجيش عقب الهجوم. وبامتناعه عن التعليق، يتجنب الجيش حصر نفسه في سردية محددة قد تخضع للتدقيق من قبل الهيئات الدولية، أو محققي حقوق الإنسان، أو آليات العدالة الانتقالية المستقبلية.
وصفت منظمات حقوق الإنسان الضربة بأنها انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني، مشيرةً إلى الطابع المدني للتجمع ودور المحكمة كمؤسسة غير عسكرية. وقالت منظمة “محامو الطوارئ” إن استهداف المدنيين يُعد انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي، ودعت إلى إجراء تحقيق مستقل. وبموجب قوانين الحرب، يجب على الأطراف التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وشن هجمات مباشرة فقط على أهداف عسكرية مشروعة، وضمان ألا يكون أي ضرر متوقع على المدنيين مفرطًا مقارنةً بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة.
من دارفور إلى المنطقة: الاقتصاد السياسي لحرب الطائرات المسيرة
بينما يركز جزء كبير من التغطية الإعلامية المباشرة على الخسائر البشرية والمسائل القانونية، فإن غارة الزاوية تدعو أيضاً إلى نظرة أعمق في الاقتصاد السياسي الذي يقوم عليه حرب الطائرات المسيّرة في السودان. فالطائرات المسيّرة لا تظهر من العدم، بل يتم شراؤها وصيانتها وتشغيلها بدعم من جهات خارجية وشبكات تمويل ورعاة إقليميين. وفي صراع يعتمد فيه كل من الجيش وقوات الدعم السريع على دعم أجنبي، فإن الاعتماد المتزايد على الطائرات المسيّرة لا يعكس فقط الخيارات التكتيكية، بل يعكس أيضاً المصالح الجيوسياسية للدول التي تستفيد من حرب طويلة الأمد وعالية الكثافة.
بالنسبة للباحثين المهتمين بدور القوى الإقليمية في الصراعات الأفريقية، تُقدّم حرب السودان نموذجاً مألوفاً: دولة مُجزّأة، وفصائل مسلحة متنافسة، وقوى خارجية تستخدم وكلاء وأسلحة متطورة للتأثير على نتائج الصراع دون إرسال قوات برية كبيرة. ويُحاكي تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة في السودان أنماطاً مماثلة لتلك التي شُوهدت في ليبيا واليمن ومناطق أخرى، حيث أصبح القتل عن بُعد أداةً مُفضّلة للتأثير على الديناميكيات المحلية مع الحفاظ على قدر من الإنكار.
عدالة مجتمعية، لامبالاة حرب
في النهاية، تبقى صورة مجتمعٍ مُجتمعٍ تحت شجرةٍ لحلّ نزاعاته، ليُبادَ على يد آلةٍ تعمل بعيدًا عن أنظارهم. قد لا تُستجاب الدعوات لإجراء تحقيقٍ مستقلٍّ على المدى القريب، لكنها تُرسي معيارًا لأيّ إجراءات محاسبةٍ مستقبلية. ستُستخدم إدانات الهجوم باعتباره جريمةً بشعةً لحشد الدعم ونزع الشرعية عن الجيش، حتى مع صمت الجيش الذي يُتيح له تجنّب التدقيق الفوري.
إن ما تكشفه حادثة قارة الزاوية بوضوحٍ تام هو كيف أن حرب الطائرات المسيّرة في السودان لا تقتصر على قتل المدنيين فحسب، بل تُقوّض أيضاً المؤسسات المحلية التي تُتيح استمرار الحياة المجتمعية. فعندما تتحول المحاكم المحلية إلى ساحات قتل، تتجاوز الحرب مجرد الصراع على الأرض لتصبح هجوماً أشدّ وطأةً على إمكانيات النظام والعدالة والتعايش. بالنسبة لسكان دارفور، فإن الرسالة مُرعبة: فالأماكن التي كانوا يلجؤون إليها سابقاً لإيجاد حلول أصبحت الآن من أخطر الأماكن. أما بالنسبة للعالم أجمع، فالسؤال المطروح هو: هل سيُسمح لهذه المرحلة الجديدة من الحرب عن بُعد، والتي تُخلّف خسائر فادحة، بأن تُصبح الوجه الدائم للصراع في السودان؟ وكيف يجب أن تتكيف معايير حقوق الإنسان وسياسات الدولة بشأن صادرات الأسلحة والحروب بالوكالة مع واقعٍ يُمكن فيه محو العدالة نفسها من السماء؟
——————————-
“إمباكت إنترناشونال”مؤسسة لسياسات حقوق الإنسان هي مركز أبحاث غير حكومي مقره لندن، المملكة المتحدة،

