‫الرئيسية‬ ثقافة في اليوم العالمي للترجمة: مقاربة، الترجمة والأدب المقارن في التداخل الثقافي والحضاري
ثقافة - 3 أكتوبر 2020

في اليوم العالمي للترجمة: مقاربة، الترجمة والأدب المقارن في التداخل الثقافي والحضاري

عزة نور الدين محمود

غالباً ما يستخدم مفهوم “الحضارة” لتحديد المستوى الذي تمَّ تحقيقه من التنمية الاجتماعية، فضلاً عن مستوى معين من أداء الثقافة في جميع مكوناتها. بعبارة أخرى: الحضارة، هي مستوى الدولة والمجتمع المتأصلان في ارتفاع مستوى الثقافة وأدائها الفعَّال لجميع فروع الحياة في المجتمع. كما أنَّ ظهور الحضارة أدى لاستقرار كبير في الحياة الاجتماعية ومسار التاريخ، وخلق الظروف لتراكم الخبرة التاريخية، وبالطبع، ساهم في تطوير ثقافة أكثر إنتاجية. الآن يمكن لأشخاص معينين أو مجتمع من الناس حماية إنجازاتهم الثقافية، بالاحتفاظ بصياغات حول تسجيلاتها السابقة، بدلاً من الاعتماد على ذاكرة بشرية غير مستقرة وهشاشة الحياة الفردية.

إنَّ اللغة والتواصل من العوامل الرئيسية في تكويننا المجتمعي، حيث تلعب المفردات دوراً مهماً حقاً في تكوين اللغة، والتغييرات التي تأتي عليها مع الوقت هي انعكاسٌ لثقافتك والتغييرات التي مرَّت بها على مدى السنين. تعتبر العلاقة بين اللغة والترجمة والحضارة جانباً أساسياً من جوانب الاتصال. ومما لا شك فيه أنَّ الترجمة أصبحت من أكثر الأدوات تأثيراً في تذوق الثقافات والحضارات باختلافها، فهي أداة تواصل قوية منذ القدم بتعدد أنواعها وطرق تطبيقها من لغة إلى أخرى، ومن مترجم إلى آخر، وأصبحت وسيلة تعزز من قيمة اللغة كروح للتبادل الثقافي، تعد الترجمة فن النقل الآني بطرق مختلفة متناهية الدقة تراعي الآداب والثقافات وأنساق التواصل ودرجة تفاوتها من عصر لآخر ومن فترة لأخرى، فلكل ثقافة وأدب طرقه الخاصة في تفنيد الترجمة ومتغيراتها حسب طريقته.

مصطلحات

الترجمة:

تعتبر الترجمة في الأصل فعلاً يعمد إلى تفسير معنى في لغة (تسمى اللغة المصدر) إلى معنى مرادف في لغة أخرى مختلفة (الهدف/الترجمة)، مع الحفاظ على عملية التكافؤ بين النصين المصدر والهدف.

وقد حظيت الترجمة بعدة تعريفات:

هي “النقل” أو “الجلب”: وكلمة الترجمة (translation) اللاتينية مستمدة من كلمة النقل (transferre) (trans, ” عبر ” + ferre, ” يحمل أو يجلب”. لقد صاغت اللغات الأوروبية الحديثة، الرومانية، الجرمانية والسلافية، مفرداتها الخاصة لهذا المفهوم وفقاً لنموذج اللاتينية. بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ المصطلح اليوناني للترجمة (metaphrasis) (التحدث عبر، قد زود الإنجليزية بمصطلح “الترجمة الحرفية ” “metaphrase التي تعني الترجمة حرفياً أو كلمة مقابل كلمة، بعكس “إعادة صياغة” (paraphrase)  أو القول بكلمات أخرى من اليونانية “paraphrases”.

كما أنَّها تعرف بعملية تحويل نص أصلي مكتوب (ويسمى النص المصدر) من اللغة المصدر إلى نص مكتوب (النص الهدف) في اللغة الأخرى، فتعد الترجمة نقلاً للحضارة والثقافة والفكر. (مندي، جرمي. مدخل إلى دراسات الترجمة: نظريات وتطبيقات. ص 18)

ويقول الجاحظ في قيمة الترجمة:

“ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواء وغاية، ومتى وجدناه أيضاً قد تكلم بلسانين، علمنا أنَّه قد أدخل الضيم عليهما، لأنَّ كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها، وتعترض عليها، وكيف يكون تمكن اللسان منهما مجتمعين فيه، كتمكنه إذا انفرد بالواحدة، وإنَّما له قوة واحدة، فإن تكلم بلغة واحدة استفرغت تلك القوة عليهما، وكذلك إن تكلم بأكثر من لغتين، وعلى حساب ذلك تكون الترجمة لجميع اللغات، وكلما كان الباب من العلم أعسر وأضيق، والعلماء به أقل، كان أشد على المترجم، وأجدر أن يخطئ فيه، ولن تجد البتة مترجماً يفي بواحد من هؤلاء العلماء”.

ردد تزايكسي (Zaixi, 1997:339) فكرة مشابهة بأنَّ “الترجمة هي عملية نقل، وهي مهارة أساساً، وتقنية يمكن اكتسابها. ولكنها غالباً ما تنطوي على استخدام اللغة بطريقة مبتكرة بحيث تكون فناً أيضاً. ومع ذلك، فهي ليست بأي حال من الأحوال علم”. وعلى العكس من ذلك، فهو يدعي أنَّ “التخصص الذي يأخذ الترجمة كموضوع لدراسته يجب أن يعامل كعلم، لأنَّه نظام للمعرفة حول الترجمة، ويهدف لتوضيح القوانين الموضوعية حول عملية الترجمة” (Zaixi, 1997:340).

الأدب المقارن:

هو مجال أكاديمي يتعامل مع دراسة الأدب والتعبير الثقافي عبر الحدود اللغوية والقومية والجغرافية والتخصصية.

عرَّف الناقد الأمريكي، هنري رماك، الأدب المقارن: “بأنَّه دراسة الأدب خلف حدود بلد معين، ودراسة العلاقات بين الأدب من جهة ومناطق أخرى من المعرفة والاعتقاد من جهة أخرى، وذلك من مثل الفنون (كالرسم والنحت والعمارة والموسيقى) والفلسفة، والتاريخ، والعلوم الاجتماعية (كالسياسة والاقتصاد والاجتماع)، والعلوم والديانة، وغير ذلك. وباختصار هو مقارنة أدب معين مع أدب آخر أو آداب أخرى، ومقارنة الأدب بمناطق أخرى من التعبير الإنساني”.

وقد لخص موريس فرانسوا جويار (Maurice Francois Guyard) في بدايات عمله كمتخصص في الأدب المقارن عام 1951 مفهوم الأدب المقارن بتسجيل “تاريخ العلاقات الأدبية العالمية، تبين لنا أجمل النجاحات المحلية تعتمد دائماً على الأساسيات الأجنبية” . أمَّا تاريخ الأدب العام فقد أكد فان تيجيم (Van Tieghem)  أنه يعني توحيد تاريخ الآداب المختلفة: حيث ينسج الأدب المقارن بين الأعمال الأدبية المختلفة تفاصيل تاريخ الأدب أكثر عمومية وشمولاً.

يهتم مجال الأدب المقارن بالعلاقة بين الأدب المحدد على نطاق واسع ومجالات النشاط البشري الأخرى، بما في ذلك التاريخ والسياسة والفلسفة والفن والعلوم. بخلاف الأشكال الأخرى للدراسة الأدبية، يركز الأدب المقارن على التحليل متعدد التخصصات للإنتاج الاجتماعي والثقافي ضمن “الاقتصاد، والديناميات السياسية، والحركات الثقافية، والتحولات التاريخية، والاختلافات الدينية، والبيئة الحضرية، والعلاقات الدولية، والسياسة العامة، والعلوم”.

الثقافة:

تعرف الثقافة بأنَّها الفنون وغيرها من مظاهر الإنجاز الفكري البشري مجتمعة، وتعد مفهوماً مركزياً في الأنثروبولوجيا، يشمل نطاق الظواهر التي تنتقل من خلال التعلم الاجتماعي في المجتمعات البشرية. بعض جوانب السلوك الإنساني والممارسات الاجتماعية مثل الثقافة، والأشكال التعبيرية مثل الفن، الموسيقى، الرقص، الطقوس، والتقنيات مثل استخدام الأدوات، الطبخ، المأوى، والملابس، هي بمثابة كليات ثقافية، توجد في جميع المجتمعات البشرية.

Macionis, John J; Gerber, Linda Marie 2011. Sociology. Toronto: Pearson Prentice Hall. p. 53

أمَّا الحضارة فهي العملية التي يصل بها المجتمع إلى مرحلة متقدمة من التطور الاجتماعي والثقافي والتنظيمي. بمعنى آخر هي مجتمع بشري معقد، يتكون عادة من مدن مختلفة، مع خصائص معينة للتطور الثقافي والتكنولوجي. لكن في وقت مبكر من تطوير المصطلح، استخدم علماء الأنثروبولوجيا وغيرهم مصطلح “الحضارة” و”المجتمع المتحضر” للتمييز بين المجتمعات التي وجدوا أنَّها متفوقة ثقافياً (والتي كانوا في الغالب جزءاً منها)، وبين تلك التي وجدوا أنَّها أدنى مرتبة من الناحية الثقافية (والتي أشاروا إليها) ثقافات “وحشية” أو “بربرية”). غالباً ما تمَّ تطبيق مصطلح “الحضارة” بطريقة مركزية عرقية، مع اعتبار “الحضارات” جيدة أخلاقياً ومتقدمة ثقافياً، والمجتمعات الأخرى خاطئة أخلاقياً و”متخلفة”. هذا التاريخ المعقد هو ما يجعل تعريف الحضارة أمراً مزعجاً للعلماء، ولماذا لا يزال التعريف الحديث اليوم في حالة تغير مستمر.

مما سبق ذكره، يتضح لنا مدى ارتباط كل من الترجمة والأدب المقارن بمقومات التقدم الحضري، إذن، ما مدى تأثير كل من الترجمة والآداب المقارنة في التحول الثقافي الحضاري لأمة ما؟

لا يمكن لأي إنسان أن يقتصر على أمة واحدة أو لغة واحدة أو ثقافة واحدة. يتجه العالم بسرعة نحو الانفتاح بكل معانيه، لذا كان لابد من أدوات تساعد على “تحرير الإنسان من الجهل والتعصب ومساعدته على الاحتفاظ بحريته من خلال إدراك قدراته كبشر”، وكذلك توعيته بتجربة الحياة، قد لا يفي الأدب القومي من عطش وذوق أهل الأدب للتجربة.

لقد أصبح العالم مكاناً أكثر دينامية، وأصغر للتجارة والهجرة والتطورات العلمية. وبالمثل، أصبح تأثير أحد الأدبيات على الآخر جزءاً من عملية الخلق الإبداعية خلال هذه النمو. يساعد الأدب المقارن والذي يتم نقله من خلال الأعمال المترجمة بمختلف لغاتها على توسيع الآفاق الأدبية للمجتمع من خلال ربط أدب بآخر. كما أنَّه يلفت الاهتمام بالقيمة الأدبية النسبية الثقافية والأساس الأخلاقي، وما إلى ذلك.

يقدم الأدب المقارن مجالًا لعلماء الأدب لرسم التحولات في شخصية الإنسان في المجتمع، فرديته وطبيعته، ويعهد بفرصة رائعة لرحلة استكشافية عبر جميع الأنواع والنصوص الأدبية المختلفة عبر الزمان والمكان.

من السهل على الباحثين المقارنين تتبع نمط حياة الناس ورغباتهم واحتياجاتهم، والمشكلة التي تحد من انتشارهم، ومطالب المجتمع على الفرد، ووضعه الاقتصادي، والحقوق الممنوحة للمرأة بشكل عام، والفتيات بشكل خاص. ماثيو أرنولد، الذي صاغ مصطلح “الأدب المقارن” باللغة الإنجليزية، في محاضرته الافتتاحية في أكسفورد عام 1857، بينما يسلط الضوء على أهمية النهج المقارن لدعائم الأدب، “في كل مكان توجد علاقة، وفي كل مكان يوجد توضيح. لا يوجد حدث واحد، ولا يوجد أدب واحد يتم فهمه بشكل منفصل، ما لم تكن له علاقة بالأحداث الأخرى والآداب الأخرى”.

توجهات الأدب المقارن عبر الثقافات تظهر روابط واختلافات في آلية عمل الكتاب، وصانعي الأفلام، والمفكرين والقراء من خلال الاختلافات الثقافية واللغوية.

يجب أن تقودنا الدراسة في الأدب المقارن إلى فهم أكثر شمولية وكفاية للأعمال ومؤلفيها، وبشكل أساسي إلى دراسة التفاعلات بين الآداب المكتوبة في مختلف البلدان بلغات مختلفة تتيح التعمق في بيئة وثقافة النص المقارن. فالتواصل بين الأفراد من ثقافة ومجموعات عرقية مختلفة من شأنه أن يقود إلى تغير مباشر أو غير مباشر في النظام أو النظامين المتداخلين معاً، في كل من الثقافة المادية والممارسات التقليدية، والمعتقدات والتي يمكن أن نشملها في مفهوم “التحول الحضاري”.

 

المراجع:

1-

https://www.nationalgeographic.org/encyclopedia/civilizations

2-

https://ar.m.wikipedia.org/wiki

3-

https://www.ipl.org/essay/Importance-Of-Comparative-Literature-FCA36H4NAU

4-

The Importance of Culture in Translation

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال