
الدامر تكسر الصمت وتواجه المخدرات”وعينا يحمينا”.. .
تقرير- إسماعيل حسابو
بدلاً من الركون إلى مآسي الحرب وما خلفته من ضغوط معيشية وشظف في العيش، اختار المجتمع الأهلي في مدينة الدامر مواجهة التحديات من زاوية مختلفة؛ إذ تولدت في المدينة مبادرة شعبية عملت على تحريك البحيرة الساكنة لمخاطر المخدرات التي باتت تهدد حياة الشباب وتستنزف حاضرهم ومستقبلهم.
في ظل التدفق الكبير للنازحين والسيولة الأمنية التي استغلها تجار السموم في كثير من المناطق، برز الانشغال بهذه الظاهرة كأولوية قصوى لا تقل خطورة عن دوي الرصاص، لا سيما مع الانتشار اللافت لمواد شديدة الخطورة من المخدرات المستحدثة وعلى رأسها “الآيس/الكريستال ميث” والمؤثرات العقلية.
أمام هذا الواقع المأساوي، تداعى عدد من ناشطي وشباب مدينة الدامر بولاية نهر النيل لإطلاق مبادرة “وعينا يحمينا… معاً ضد المخدرات”، لتكون بمثابة حائط صد أهلي ضد الانهيار. ولم تتوقف المبادرة عند حدود الفعاليات العابرة، لكنها اعتمدت هيكلاً تنظيمياً قام على تشكيل لجان متخصصة فتحت باب التطوع لأبناء المدينة؛ حيث أطلقت برنامجاً ميدانياً مكثفاً يومي الجمعة والسبت الماضيين مستهدفة المواقع الأكثر حيوية وتجمعاً كمنطقة.
ولم تقتصر المبادرة على الجهود الشبابية فحسب، بل اتسعت مظلتها لتضم رموزاً مجتمعية بارزة، ومخرجين، وفنانين تشكيليين، وموسيقيين، سخروا أدواتهم الفنية والرمزية لإيصال الرسالة إلى قلب الشارع، ترسيخاً لأهداف المبادرة الداعية إلى تشجيع الشباب على أسلوب حياة صحي وآمن، وتفعيل دور الأسرة في الوقاية.

وفي هذا السياق، يقول الطيب صديق، الصحفي والمخرج الشهير وأحد منظمي المبادرة: “هناك تفاعل مجتمعي كبير في الدامر، وشعور عام بجدية وخطورة ملف المخدرات الذي يتطلب وقفة جادة من الجميع. نحن نلمس مدى خطورة هذا الوباء على المجتمع يومياً عبر قصص وحكايات مأساوية، وهو ما دفعنا للتكاتف مع شباب شارع الحوادث والمتطوعين لإطلاق هذا الحراك.”
وحول طبيعة العمل الميداني ووسائل الوصول للجمهور، يضيف الطيب صديق: “صممنا برنامجنا التوعوي ليكون قريباً من الناس في الأسواق والميادين والأندية الرياضية؛ حيث ندمج بين الفن المسرحي والغناء والمباريات الرياضية، إلى جانب المحاضرات الطبية التي تقدم للجمهور نماذج للتعريف بالمخدرات الوافدة حديثاً على المجتمع مثل ‘الكريستال’ و’الشابو’ والحبوب المخدرة، بمشاركة أطباء وفنانين ورموز مجتمعية.”
وفي تطبيق عملي لهذا الجهد، استعرض ممثل شرطة مكافحة المخدرات بالدامر أمام الجمهور نماذج حية للمخدرات التخليقية والصناعية الوافدة، مبيناً خطورتها ومصادر تهريبها عبر الحدود؛ حيث أوضح أن عقار “الترامادول” مسكن طبي قوي يُصرف للحالات الحرجة كمرضى السرطان لكنه يدخل البلاد مهرباً، متطرقاً إلى خطورة “الكبتاجون” وضبط السلطات لمعامل ومصانع محلية تُستخدم لتخليق مخدر “الآيس”.
وفي مؤشرات صادمة، أعلن ممثل الشرطة أن أكثر من 200 شاب يتواجدون حالياً داخل سجن مدينة الدامر إما بسبب التعاطي والترويج، أو بسبب جرائم سرقة ارتُكبت للحصول على ثمن هذه السموم، فضلاً عن تسجيل حالات وفاة بين الشباب جراء التعاطي. وشدد على أن هذا التحرك الميداني لم يأتِ من فراغ، محذراً: “المجتمع السوداني بأكمله مطالب اليوم بمواجهة هذا الخطر؛ فنحن أمام مجتمع يتآكل من الداخل بينما الغفلة تسود الكثيرين.”
ولم تتوقف جهود المبادرة عند حدود الميادين والأندية، بل امتدت إلى المنبر الديني؛ حيث دعت المبادرة أئمة وخطباء المساجد بمدينة الدامر لتخصيص خطبة الجمعة الماضية للتوعية بخطر المخدرات وحماية الأسرة. وتطرقت الخطب إلى المخاطر الصحية والاجتماعية للسموم، مع التركيز على دور الأسرة في متابعة سلوك الأبناء والحد من أثر رفاق السوء، فضلاً عن التأكيد على المسؤولية المجتمعية والتضامن الأهلي لحفظ أمن الأحياء.
ولم تخلُ الفعاليات من شهادات حية لامست مشاعر الحاضرين؛ حيث روى أحد المتعافين من الإدمان تجربته القاسية أمام الجمهور قائلاً: “خضتُ تجربة مريرة مع مخدر ‘الآيس’، عشت خلالها سنين من الظلام وعانيت من خسارات فادحة على الصعيد الأسري والمهني والاجتماعي، حتى فقدت ثقتي بنفسي وبات يراودني وسواس قهري يمنعني من النظر في وجوه الناس. رسالتي لكل أسرة هي أن الخطأ قد يحدث، لكن من يقع في هذا الفخ يحتاج إلى الوقوف معه ومساعدته للتعافي بدلاً من نبذه.”
من الناحية النفسية، يفسر المختصون هذا الانجراف المفاجئ بكونه استجابة غير صحية لضغوط الحرب وصدمات النزوح المتكررة؛ حيث يلجأ بعض الشباب إلى المخدرات كهروب مؤقت من الواقع المعقد. ويشدد خبراء الصحة النفسية على أن الخطوة الأولى والأهم بالنسبة للأسر عند اكتشاف حالة تعاطٍ تتمثل في تقديم الدعم والاحتواء النفسي بدلاً من الوصم والعقاب، مع ضرورة الوعي بأساليب التعامل الأولي للحد من المخاطر في ظل الشح الحاد لمراكز العلاج والمصحات المتخصصة.
ولا تقتصر مخاطر هذه الظاهرة على ولاية نهر النيل أو مناطق النزوح فحسب، لكنها تعكس تحولاً أعمق فرضته ظروف الحرب الحالية؛ إذ تحولت البلاد من مجرد دولة معبر للسموم إلى مركز ناشئ للتصنيع المحلي والاستهلاك الواسع نتيجة السيولة الأمنية وتدهور الرقابة الحدودية. وتُصنف منظمات وهيئات سودانية هذه
الأزمة باعتبارها حرب موازية تفتك بالنسيج الاجتماعي وتستهدف الشباب بذات القدر الذي تفعله أدوات الصراع المسلح.
وفي هذا الإطار، أعلنت الشرطة المجتمعية بولاية الخرطوم نهاية الأسبوع الماضي أن انتشار المخدرات تحول في هذه الظروف من مجرد جريمة جنائية إلى مهدد أمني قومي يستهدف بشكل مباشر قطاع الشباب الذي يمثل 65% من جملة السكان، معلنةً إطلاق أطواف وحملات أمنية لتجفيف مصادر التوريد وفرض رقابة لصيقة على أندية المشاهدة والمقاهي وصالات الألعاب الرياضية والمواقع الأكثر استهدافاً بالترويج.
ورغم النجاح الذي قد تحققه مثل مبادرة الدامر على مستوى رفع الوعي والتلاحم المجتمعي، تظل العقبة الكبرى قائمة في الميدان؛ إذ تصطدم جهود الناشطين بحدود التوعية حين يتعلق الأمر بحالات الإدمان المتقدمة، في ظل غياب المراكز المتخصصة للعلاج وإعادة التأهيل في ولاية نهر النيل وضيق ذات اليد لدى معظم الأسر.
إن مواجهة المخدرات في زمن الحرب هي معركة حماية لأجيال من الضياع، وتظل المبادرات الشبابية الميدانية مثل “وعينا يحمينا” خط الدفاع الأول الذي يحفظ تماسك المجتمع، لكن هذا الجهد الأهلي يظل بحاجة عاجلة إلى استجابة رسمية ومؤسسية تضمن حث الأجهزة الرسمية والأمنية على تجفيف منابع التوريد، إلى جانب توفير مرافق العلاج والدعم النفسي الشامل



68qcfk