
هل يستطيع فاقد الشيء أن يعطيه؟
لبنى إدريس
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تساعدنا في البحث أو الحساب أو إنجاز المهام اليومية، لكنه دخل إلى أكثر المناطق حميمية في حياتنا مثل الكتابة عن الحب والمشاعر والحزن، وحتى كتابة الشعر!!
أصبح بإمكاننا أن نطلب من آلة أن تكتب لنا رسالة حب أو قصيدة في الفقد أو مقالاً عن الوطن، فتأتينا الكلمات مرتبة جميلة ومشحونة بما يشبه العاطفة وقد تكون في بعض الأحيان أكثر بلاغة ودقة من قدرتنا على الكتابة ولكن للأسف لا روح فيها، فرغم التناسق والانضباط اللغوي والتشكيل لكنها خاوية.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده
لماذا تبدو الكتابة بالذكاء الاصطناعي خاوية رغم دقتها وجمالها الظاهري؟
وهنا تبدأ المسافة بين الإنسان والآلة
فالقصيدة ليست كلمات جميلة موزعة بعناية على أسطر، القصيدة في جوهرها تجربة عاشها شخص ما، أو اراد ان يعيشها..
تجربة تركت أثر وخلقت مشاعر داخله…
كلمة “أمي” مثلاً عندما يكتبها شخص فقد أمه ليست هي الكلمة نفسها حين تكتبها آلة، قد تكون الآلة قادرة على وصف الفقد بصورة دقيقة لكنها جوفاء لانها لم تعرف يد أم تمسح على رأسها، ولم تحن لصوتها في مساء طويل، ولم تشعر بفراغ مجلسها بعد رحيلها.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعرف كيف يبدو الحزن في اللغة، لكنه لا يعرف بالضرورة كيف يكون الحزن في الروح.
قد يبدو النص جميلاً ومؤثراً لكنه يظل محاكاة لتجربة إنسانية وليست تجربة حقيقية..
هنا يمكننا طرح السؤال القديم
هل يستطيع فاقد الشيء أن يعطيه؟
هل تستطيع الالة ان تعبر عن المشاعر ؟ في رأي المتواضع اعتقد لا تستطيع .. انها تستطيع الكتابة عن الكثير من المشاعر، تستطيع أن تقلد أساليب الشعراء، وأن تتعلم من ملايين النصوص كيف يتحدث البشر حين يحبون أو يحزنون.
لكنها لم تعش الحب أو الحزن أو حتى الشوق..
الذكاء الاصطناعي يعرف اللغة التي نستخدمها عندما نشعر لكنه لا يملك ذلك الشعور الذي أنتج اللغة في المقام الأول..
وهنا تكمن المفارقة قد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصف الشعور بصورة أدق من صاحب الشعور نفسه صورة قد تكون كاملة لدرجة تجعلها ناقصة، لان المشاعر تتخللها روح صاحبها وهي تختلف من شخص لاخر مما يجعلها مميزة ولا يمكن محاكاتها.
المقلق في الأمر ليس استخدام الذكاء الاصطناعي للكتابة بحد ذاته، فالإنسان استخدم دائماً أدوات تساعده على التعبير مثل القواميس والمراجع والكتّاب الذين يساعدون السياسيين والقادة على صياغة خطاباتهم.
المشكلة تبدأ عندما نستعير من الآلة ليس فقط الكلمات وإنما المشاعر نفسها..
نجد انفسنا هنا أمام ظاهرة جديدة ظاهرة “استئجار القدرة على التعبير”.
وقد لا يكون هذا خطأ مطلقا، فأحياناً قد نكون عاجزين عن ترتيب مشاعرنا، فنحتاج لمن يساعدنا على تحويل الفكرة او النقاط الأساسية إلى كلمات مرتبة، وفي هذه الحالة يصبح الذكاء الاصطناعي أشبه بمحرر أو مساعد لغوي.
لكن ماذا عن الكاتب الذي ينسب نص الذكاء الاصطناعي إلى نفسه؟ هنا يصبح السؤال أكثر حساسية..
حينما يستخدم كاتب الذكاء الاصطناعي لتصحيح اللغة أو ترتيب الأفكار أو تحسين الأسلوب كما ذكرت سابقاً، ثم يقدم النص باعتباره نصه، قد لا تكون هناك مشكلة كبيرة، خصوصاً إذا كانت الأفكار والتجربة والصوت الأساسي له.
لكن ماذا يحدث حين يكون النص بأكمله من إنتاج الذكاء الاصطناعي، ثم ينشره الشخص باسمه وكأنه صاحبه؟
هل هو نفاق؟؟؟
قد يكون في بعض الحالات نفاقاً عندما يتحول الأمر إلى تعمد تضليل الآخرين وإيهامهم بأن النص يمثل موهبته الشخصية بينما هو لم يكتب منه شيئاً.
ام هل هو محاولة للتجمّل الاجتماعي؟ ام هل هو عدم ثقة بالنفس؟
اعتقد في الغالب عدم ثقة بالنفس، لكن المسألة أعمق من ذلك..
قد يكون وراء هذا السلوك رغبة في الصورة أكثر من الحقيقة، حينها لا يريد الشخص أن يكون كاتباً فقط انما يريد أن يُرى كاتباً..
لا يريد فقط أن يمتلك الأفكار، بل يريد أن يحصل على الإعجاب المرتبط بها.وهذا ما اعني بعدم الثقة بالنفس لان الشخص الذي يدعي انه صاحب النص لا يجد بنفسه ما يستحق الثناء أو إعجاب الآخرين به لذلك يلجأ لهذا السلوك.
لكن ربما يكون الوصف الأدق هو انفصال بين الذات والصورة التي تريد الذات أن تقدمها للآخرين.
ويبقى السؤال الأهم، هل يهدد الذكاء الاصطناعي الأدب؟
ليس بالضرورة..فالأدب لم يكن يوماً مجرد قدرة على تركيب الجمل او الابيات الشعرية أو ضبط القافية (بكلمات قد تكون احياناً ليست ذات صلة حقيقية بالموضوع) الأدب هو تجربة ورؤية واحساس وذاكرة ومجموعة من العواطف وموهبة فريدة لكل أديب لا تشبه الآخر وحساسية مفرطة تجاه الكون.
يمكن للآلة أن تكتب ألف قصيدة عن المطر، لكنها لم تقف يوماً تحته لم تشتم رائحته..
يمكنها أن تكتب عن الوطن لكنها لم تُهجّر منه قسرياً..
يمكنها أن تكتب عن الحرب، لكنها لم تعش الخوف على الأطفال والكبار..
قد تكون الآلة أكثر دقة في اللغة وأكثر ثراءً في المفردات، وأكثر قدرة على تقليد الأساليب.
لكن هناك أشياء لا تستطيع الآلة أن تصنعها وهي صدق التجربة ونبض الحياة داخل الحروف وبين السطور ..
الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من عملية الكتابة مثلما أصبحت برامج معالجة النصوص والقواميس ومحركات البحث جزءاً من حياتنا.
وليس المقصود رفضه او الخوف منه، انما المقصود ان لا نفقد انفسنا ومصداقيتنا وننسى من نحن…


lreqw8