‫الرئيسية‬ اخبار السودان: الخدمة المدنية في مهب الحرب.. تفكك المؤسسات وتجريف البيانات وانهيار الأمان الوظيفي
اخبار - تقارير - 30 يوليو 2026, 18:16

السودان: الخدمة المدنية في مهب الحرب.. تفكك المؤسسات وتجريف البيانات وانهيار الأمان الوظيفي

تقرير: إدريس عبدالله
يواجه القطاع العام والخدمة المدنية في السودان أزمة غير مسبوقة تُعد الأشد خطورة في تاريخ الدولة الحديث؛ حيث تسببت الحرب الممتدة بين الجيش وقوات الدعم السريع في تفكيك البنية التحتية للمؤسسات الحكومية، وتشتيت الكادر البشري، وتدمير قاعدة البيانات المركزية وأرشيف الدولة التاريخي. وبينما تواصل السلطات القائمة اتخاذ إجراءات اضطرارية واقتطاعات حادة في مرتبات العاملين لتمويل المجهود الحربي، يقف ملايين الموظفين والعمال أمام واقع معيشي كارثي يتذبذب فيه دخلهم بين الانقطاع التام وعدم الانتظام، وسط تساؤلات حيوية حول كيفية إعادة بناء الخدمة المدنية على أسس مهنية ووطنية.
ميزانية الطوارئ واقتطاعات الحرب.. تدهور الأجور وغياب الأمان الوظيفي
في ظل الظروف المالية الحادة التي فرضتها المواجهات المسلحة، كشف وزير المالية لحكومة أمر الواقع عن أبرز ملامح ميزانية الطوارئ التي اعتمدتها الحكومة ضمن الإجراءات الاضطرارية، والتي تضمنت تحديد أولويات الإنفاق على الحرب، والصحة، والأجور. وتضمنت الإجراءات خفض مرتبات العاملين إلى 60% خلال فترة الحرب لتمويل المجهود الحربي، وإعفاء كثير من السلع الغذائية الأساسية من الجمارك والضرائب أو تخفيضها لضمان استمرار تدفقها إلى الأسواق.

هبة المكي محمدين , قطاع المرأة , تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية { تقدُّم } , #الله_في, #الإقتلاع | Elshareef Hussein | Facebookوفي هذا السياق، تقول القيادية في تنسيقية المهنيين والنقابات هبة مكي في حديثها لـ “مداميك”: “الحرب الحالية خلقت أكبر أزمة لسوق العمل في السودان؛ ملايين السودانيين فقدوا وظائفهم أو مصادر دخلهم، وتعرضت أجور نسبة كبيرة من موظفي القطاع العام للانقطاع أو عدم الانتظام”.
وتضيف هبة: “تشير التقديرات إلى أن أكثر من 3 ملايين شخص فقدوا وظائفهم بسبب الحرب، ونحو 80% من العاملين في القطاع الحكومي تأثرت أجورهم؛ حيث انقطعت أو تأخرت بصورة كبيرة في العديد من المؤسسات”. وتتابع قائلة إن آلاف المصانع والمؤسسات أغلقت، مما أدى إلى تسريح أعداد كبيرة من العمال.

شلل الإنتاج واستراتيجيات البقاء لدى الموظفين
ترتب على هذا الشلل الاقتصادي ارتفاع معدلات البطالة والفقر، واضطرار كثير من العاملين إلى النزوح أو اللجوء أو العمل في وظائف غير مستقرة. وقد أدى فقدان الدخل إلى تدهور الأوضاع المعيشية للأسر وزيادة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
وتشرح هبة مكي لـ “مداميك” كيف فرضت هذه الأوضاع القاسية على العاملين آليات مضنية للبقاء؛ حيث تؤكد أن كل هذه الظروف أجبرت الموظفين على الاعتماد على المدخرات القديمة، أو تحويلات الأهل، أو العمل في وظائف وأعمال ومهن أخرى دون مستوى مؤهلاتهم وبدخل متدنٍ، فضلاً عن الاعتماد على غرف الطوارئ ومطابخ المنظمات.
وعن الواقع الإحصائي الميداني، تضيف هبة: “لا توجد إحصاءات رسمية شاملة، إلا أن التقديرات تشير إلى أن نحو 80% من العاملين في القطاع الحكومي تأثرت أجورهم، بينما فقد أكثر من ثلاثة ملايين سوداني وظائفهم نتيجة الحرب، في ظل إغلاق نحو ثلث الشركات وتوقف المصانع وتدهور سوق العمل”.
التدهور التاريخي وتحدي الصعود من “القرن السادس عشر”

مهدي رابحمن جهته، يحلل الخبير في السياسات العامة مهدي رابح، في مقابلة مع “مداميك”، جذور الأزمة مؤكداً أن التدهور الراهن يمتد لتجريف سابق، ويقول: “الخدمة المدنية ظلت تعاني من تدهور مستمر تعمّق بصورة حادة خلال سنوات حكم الإنقاذ، بفعل التسييس ومأسسة الفساد، وأخيراً تفريغ أجهزتها جزئياً من مهامها لصالح أجهزة أمنية وشبه أمنية، وخصخصة كل ما قد يمكّن الممسكين بالسلطة من السيطرة على الموارد وتوجيهها نحو مصالحهم الخاصة أو الحزبية؛ وبالحزبية أقصد الحركة الإسلاموية تحديداً”.
وحول مستقبل المؤسسات وشكل الإصلاح المطلوب، يضيف رابح: “أعتقد -وكعديد مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية التي تعاني من التشوه والفساد- أن هنالك حاجة لإعادة بناء خدمة مدنية مهنية وطنية تضع في قلب سياساتها خدمة المواطن أولاً. ومن المهم أن يخضع تصميم شكل هذه المؤسسات وعلاقتها مع بعضها البعض ومع السلطة السياسية لحوار مستفيض في خضم الحوار الأوسع حول الإطار الدستوري الحاكم المؤقت ثم الدائم؛ تصميمٌ مبني على التوافق الوطني، والفاعلية الوظيفية، والقدرة على تنفيذ السياسات التي تختطها الحكومات المتعاقبة. ويجب اعتبار مبدأ استقلالية الخدمة المدنية الجزئية عن أهواء التغيرات السياسية (الديمقراطية) واتساقها مع ضرورة العدالة التنموية هو الأساس لاستقرارها المستقبلي وتطورها”.
وعن التحديث التقني وتأثير المواجهات المسلحة، يقول مهدي رابح: “أما عن الرقمنة، فهي في عالم اليوم أصبحت أدوات لا غنى عنها، ولا يمكن إدارة خدمة مدنية فعالة دونها؛ بل يجب التفكير أبعد من ذلك قليلاً في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير السياسات وإدارة الموارد… إلخ”. ويختتم تصريحه لـ “مداميك” بالإشارة إلى فداحة الضرر القائم: “الحرب دمرت ما كانت قد تركته دولة الإنقاذ من خدمة مدنية متداعية وأرجعت السودان سنوات إلى الوراء، وسيكون التحدي الأكبر الآن هو كيف يمكننا القفز من القرن السادس عشر الذي يعيش فيه السودان اليوم إلى ما يجب أن تكون عليه مؤسسات خدمة الدولة عموماً والخدمة المدنية بالأخص في القرن الواحد والعشرين”.
الضرر الأرشيفي ومساعي التكيف في ظل غياب المقرات

تيسير النوراني : الحرب جعلت ملايين الموظفين بلا عمل - Dabanga Radio TV  Onlineفي سياق متصل، تتطرق وزيرة العمل في الفترة الانتقالية تيسير النوراني، في مقابلة مع “مداميك”، إلى خسائر البنية المعلوماتية؛ حيث توضح أن الحرب في السودان أثرت بشكل كبير على قاعدة البيانات المركزية وأرشيف الخدمة المدنية، وتضمن ذلك تدمير المنشآت والبنية التحتية التي تحتفظ بالمعلومات الهامة، مما أدى إلى فقدان العديد من السجلات والبيانات.
وتضيف تيسير أيضاً: “النزوح الجماعي للعاملين وتغير أوضاعهم وتواجدهم في مناطق مختلفة وبعيدة عن التواصل الرقمي يجعل من الصعب الوصول إلى المعلومات الضرورية التي تخصهم، مما يفاقم عجز الدولة عن متابعة المعلومات وتحديثها والحفاظ عليها”.
وتشير وزيرة العمل السابقة إلى أن المؤسسات الحكومية قد تواجه صعوبات في استعادة وتحديث البيانات، مما يؤثر على فعالية تقديم الخدمات العامة. ولتعزيز الوضع، ترى النوراني أنه من المهم العمل على استعادة الأرشيفات وتأمين حماية البيانات المتبقية، بالإضافة إلى توفير التدريب للعاملين في الخدمة المدنية للتكيف مع التغيرات السريعة. وتتابع: “لذلك يجب البحث عن شراكات مع منظمات دولية لمساعدتنا في إعادة بناء الأنظمة المعلوماتية وكيفية الحفظ الرقمي؛ فمثلاً ديوان شؤون الخدمة -ومنذ فترة ليست بالقليلة- يعمل على حفظ الملفات للعاملين في كل السودان، ولكن بعد الحرب كل هذا المجهود قد ضاع، والدفاتر الورقية أيضاً ضاعت إما بالحرق أو بانهيار المباني عليها والتآكل لطول الفترة الزمنية”.
وحول آليات إدارة الشأن العام في الراهن، تضيف تيسير النوراني أن الحكومات والسلطات القائمة حالياً تتجه إلى اعتماد أساليب بديلة لإدارة الشأن العام في ظل غياب المقرات المركزية. ومن ذلك، تتضمن الإجراءات استخدام التكنولوجيا؛ حيث توجد محاولات لاستخدام الأنظمة والتطبيقات لتسهيل التواصل بين الحكومة والمواطنين، مما يساعد في تقديم الخدمات العامة وإدارة الجباية والضرائب التي ارتفعت بشكل كبير.
وتختتم تيسير النوراني حديثها لـ “مداميك” بالقول: “تعتمد الحكومات على الإدارة المحلية والمجالس لتحسين استجابتها لمتطلبات المواطنين وتقديم الخدمات برغم قلتها وعدم شمولها؛ لأنها الأقرب للمجتمعات المحلية. وأيضاً يتم تشجيع المواطنين على المشاركة والتبرعات والعون الذاتي برغم ضياع ممتلكاتهم وأموالهم، ولكن نجد المبادرات العديدة في المناطق المختلفة لمساعدة بعضهم البعض، مثل التكايا، وغرف الطوارئ، ولجان المقاومة في الأحياء، مما يقوي التماسك الاجتماعي”.
يقف القطاع العام في السودان اليوم أمام واقع مشلول تتنازعه الخسائر المادية المباشرة وتجريف الكوادر، لتظل إعادة ترميم الخدمة المدنية رهناً بإنهاء الصراع، وبناء توافق وطني يعيد صياغة أجهزة الدولة وفق معايير الاستقلالية والمهنية والتحديث الرقمي.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليقان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *