
التوسع الضريبي.. أعباء إضافية تهدد بسحق التجار والمنتجين والمواطنين
الخرطوم: مداميك
أثار قرار توسيع المظلة الضريبية وإدخال أكثر من 60% من الاقتصاد غير الرسمي إلى دائرة التحصيل في البلاد ردود فعل واسعة في ظل اقتصاد هش يعاني من شلل بنيوي متراكم منذ اندلاع الحرب، بجانب أن النشاط غير الرسمي الذي يستهدفه ديوان الضرائب غالبيته فقد رأس ماله المصرفي بسبب الحرب المستمرة حسبما يؤكد مختصون، ونزح صاحبه من مدينته، وأعاد بناء نشاطه من الصفر بموارد شخصية محدودة خارج أي غطاء مؤسسي. وهذه الشريحة تحديداً هي الأكثر هشاشة أمام أي عبء ضريبي إضافي جديد.
وبسبب الحرب الدائرة في البلاد ظلت ميزانية حكومة الأمر الواقع مخصصة للصرف على الحرب وتعتمد على الرسوم والجبايات والضرائب لزيادة الإيرادات العامة دون مراعاة لتأثير ذلك على الأنشطة التجارية والإنتاجية، ومن ثم على المواطن الذي صار عاجزا عن مجاراة القفزات المتسارعة في أسعار السلع والمنتجات الأساسية وفقد المواطن السيطرة والقدرة ان ينعم بحياة معيشية مستقرة بسبب موجة الغلاء المتصاعد.
وكان الأمين العام لديوان الضرائب بدر التمام محمد سعد، قال إن الحرب تسببت في وجود أكثر من 60% من النشاط الاقتصادي خارج المظلة الضريبية وفق تقارير صندوق النقد الدولي، مما استدعى تشكيل لجنة عليا بقرار وزاري لمكافحة التهرب وتوسيع القاعدة الضريبية.
وأشار إلى إطلاق مبادرة آلية لتوسيع المظلة الضريبية في البلاد، لتحقيق العدالة الضريبية ودعم الاقتصاد الوطني، واعياً كافة الجهات والمؤسسات للمشاركة الفاعلة في نشر الوعي الضريبي وإبراز أهمية المبادرة الاستراتيجية.
ويرى الخبير المصرفي وليد دليل أن توسيع المظلة الضريبية وإدخال أكثر من 60% من الاقتصاد غير الرسمي إلى دائرة التحصيل، يجعل الأرقام التي يسوقها تبدو للوهلة الأولى منطقية، بل ومغرية لصانع القرار المالي الباحث عن أي مورد يسد به عجزاً متفاقماً في الموازنة العامة.
وقال إن القراءة المصرفية والاقتصادية لهذا التوجه تكشف عن مفارقة خطيرة: فالتوقيت الذي يُطرح فيه هذا التوسع هو بالضبط التوقيت الذي يفتقر فيه الاقتصاد السوداني إلى الحد الأدنى من البنية المؤسسية القادرة على استيعابه دون أن يتحول إلى عبء إضافي يعمّق الانكماش بدل أن يعالجه.
ويرى أن المنظومة المصرفية، التي يُفترض أن تكون الشريان الناقل لأي تحصيل ضريبي حديث، لا تزال تعاني من شلل بنيوي متراكم منذ اندلاع الحرب؛ فالمحول الوطني للمدفوعات متوقف منذ سنوات، وأرصدة المحافظ الإلكترونية مجمدة لدى ملايين المستخدمين، وشركات الوساطة المالية الرقمية بين مرخّصة تُسحب رخصتها وأخرى مغلقة بقرارات إدارية متعاقبة.
ويضيف دليل أن مطالبة نشاط اقتصادي غير رسمي بالانضمام إلى منظومة ضريبية تفترض وجود قنوات مصرفية سليمة للفوترة والتحصيل والمراجعة هو طلب يسبق توفر أدواته، فتتحول المبادرة من إصلاح هيكلي إلى عبء إجرائي إضافي على تجار ومنتجين أنهكتهم الحرب أصلاً.
وأشار إلى أن النشاط غير الرسمي الذي يستهدفه الديوان لم يهرب من الضريبة بدافع التهرب المتعمد وحده، بل لأن غالبيته تحوّل إلى هذا الوضع اضطراراً بعد أن فقد رأس ماله المصرفي، ونزح صاحبه من مدينته، وأعاد بناء نشاطه من الصفر بموارد شخصية محدودة خارج أي غطاء مؤسسي. وهذه الشريحة تحديداً هي الأكثر هشاشة أمام أي عبء إضافي، ذلك أن معظمها يعمل برأس مال دوّار ضيق لا يحتمل تجميد جزء منه لصالح التزامات ضريبية جديدة.
ولفت إلى أثر التوسع الضريبي على سعر الصرف واستقرار السوق الموازية؛ فحين تُفرض التزامات جديدة على تجار يعتمدون على العملة الأجنبية في تمويل دورتهم التجارية، وسط غياب مصرفي شبه تام لتمويل التجارة الخارجية بالقنوات الرسمية، فإن الاستجابة الطبيعية لرأس المال ستكون البحث عن مزيد من الحماية خارج الجهاز المصرفي الرسمي، بما يرفع الضغط على السوق الموازية بدل أن يخفف عنها.
أضف إلى ذلك أن أي تحصيل ضريبي يفترض بالضرورة قدرة الدولة على تقديم ما يقابله من خدمات وضمانات مؤسسية تعزز ثقة الممول، بينما لا تزال مناطق واسعة من البلاد تعمل بلا بنية تحتية مصرفية فاعلة.
واتفق الخبير الاقتصادي عبد الله البشير مع رؤية دليل، بأن توسيع المظلة الضريبية ليس خطأ في المبدأ، ولكن الخطأ في التوقيت والتسلسل، وقال: “كيف نطالب اقتصاد منهك وغير رسمي بالانضمام لمنظومة ضريبية ونحن لا نملك حتى محول مدفوعات وطني شغال ولا محافظ إلكترونية محررة؟.
ورأى أن النتيجة الحتمية ستكون مزيدا من الانكماش ومزيد من الهروب لاقتصاد الظل وزيادة الضغط على السوق الموازي فالأولوية الآن هي إعادة بناء البنية المصرفية والتقنية، ثم نأتي للجباية. غير ذلك سنخسر الشريحة التي نريد إدخالها.
وتعاني البلاد من أزمة اقتصادية طاحنة تُعد من أسوأ الأزمات في تاريخها نتيجة للحرب الدائرة منذ أبريل 2023 واصبح الوضع الاقتصادي هشًا مع مؤشرات كارثية شملت انكماش الناتج المحلي، تضخمًا غير مسبوق ارتفاع الديون الخارجية وانهيار البنية التحتية للخدمات والقطاعات الإنتاجية وتفاقم الجوع والفقر.


cy8uju