
هل تعيد العقوبات الأمريكية السودان إلى عزلة التسعينيات؟
مهدي داود الخليفة
دخلت العقوبات الأمريكية الجديدة على السودان حيز التنفيذ اعتبارا من اليوم الاثنين الموافق20 يوليو الجاري بعد أن خلصت واشنطن إلى أن الحكومة السودانية لم تستوفِ الشروط المنصوص عليها في قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، عقب اتهام القوات المسلحة باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب الدائرة في البلاد. وبغض النظر عن الجدل السياسي والقانوني حول هذه الاتهامات، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا هو: ما الذي تعنيه هذه العقوبات للاقتصاد السوداني، وهل يواجه السودان مرحلة جديدة من العزلة الدولية؟
تشمل العقوبات وقف المساعدات الأمريكية غير الإنسانية، وحظر تصدير الأسلحة والتكنولوجيا الحساسة، ومعارضة الولايات المتحدة لأي قروض أو مساعدات تقدمها المؤسسات المالية الدولية للسودان، إضافة إلى قيود على الطيران المدني الحكومي. كما تأتي هذه الإجراءات إلى جانب العقوبات التي فرضتها واشنطن على عدد من المسؤلين في الدولة مما يعكس تصعيدًا سياسيًا يتجاوز مجرد الخلافات الثنائية.
ورغم أن العقوبات تذكر السودانيين بتجربة التسعينيات خلال حكم الرئيس السابق عمر البشير، فإن الظروف الحالية تختلف بصورة جوهرية. فقد كانت العقوبات آنذاك مرتبطة بقضايا الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان، بينما ترتبط العقوبات الجديدة باتهام باستخدام أسلحة كيميائية، وهو من أخطر الاتهامات في القانون الدولي، لما يحمله من تبعات سياسية وأخلاقية وقانونية تتجاوز حدود النزاعات التقليدية.
كما أن السودان اليوم يختلف كثيرًا عن سودان التسعينيات. فالعقوبات التي واجهها نظام البشير جاءت في عالم أقل ترابطًا اقتصاديًا، وكانت الدولة السودانية تحتفظ بمؤسسات أكثر تماسكًا. اما اليوم فالبلاد تعيش حربًا مدمرة، وبنيتها التحتية تعرضت لدمار واسع، والاقتصاد يعاني من انهيار غير مسبوق، فيما يعتمد ملايين المواطنين على المساعدات الإنسانية الخارجية. لذلك فإن أي قيود إضافية على التمويل أو الاستثمار ستكون أكثر إيلامًا مما كانت عليه في الماضي.
وتتمثل أخطر التداعيات الاقتصادية في إغلاق أبواب التمويل الدولي، إذ إن معارضة الولايات المتحدة لقروض البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنوك التنمية ستجعل إعادة الإعمار وتمويل المشروعات التنموية أكثر صعوبة. كما ستؤدي العقوبات إلى تراجع ثقة المستثمرين، وارتفاع تكلفة التحويلات المصرفية، وزيادة الضغوط على سعر صرف الجنيه، وهو ما سينعكس مباشرة على معدلات التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
أما سياسيًا، فإن اتهام أي حكومة باستخدام أسلحة كيميائية يضعها في موقف بالغ الحساسية أمام المجتمع الدولي، لأنه يثير تساؤلات حول مدى التزامها بالقانون الدولي الإنساني، ويؤثر على شرعيتها السياسية، ويعقّد علاقاتها الدبلوماسية، ويزيد الضغوط لإجراء تحقيقات دولية مستقلة، حتى قبل صدور أي أحكام قانونية نهائية.
ويبقى السؤال: هل يستطيع حلفاء الحكومة السودانية تعويض آثار هذه العقوبات؟
من المرجح أن تواصل دول مثل روسيا والصين وتركيا علاقاتها مع السودان وفقًا لمصالحها الاستراتيجية، إلا أن قدرتها على تعويض غياب التمويل الذي توفره المؤسسات المالية الدولية تبقى محدودة. فلا يمكن لأي شريك ثنائي أن يحل محل البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي في تمويل إعادة الإعمار أو دعم الاقتصاد الكلي، كما أن كثيرًا من المستثمرين سيترددون في دخول سوق تزداد فيها المخاطر السياسية والمالية.
ومن ثم، فإن السودان يواجه تحديًا مزدوجًا: استمرار حرب تستنزف موارده، وعقوبات تزيد من عزلته الاقتصادية. وهذه المعادلة تجعل التعافي أكثر صعوبة، وتدفع فاتورتها في المقام الأول الأسر السودانية التي تعاني أصلًا من تدهور مستويات المعيشة.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن العقوبات وحدها لا تنهي الأزمات، كما أن تجاهل أسبابها لا يؤدي إلى رفعها. ولذلك فإن المخرج الحقيقي يكمن في إنهاء الحرب، وتهيئة بيئة سياسية تسمح باستعادة الثقة داخليًا وخارجيًا، والانخراط الجاد مع المجتمع الدولي، بما في ذلك التعاون مع الآليات الدولية المختصة لتوضيح الحقائق ومعالجة الاتهامات وفقًا للقانون.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من العزلة، بل إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة، ويوقف الحرب، ويؤسس لحكومة مدنية ذات مصداقية، قادرة على استعادة ثقة المواطنين والشركاء الدوليين على حد سواء. فكل يوم يطول فيه أمد الصراع يضاعف كلفة إعادة الإعمار، ويجعل الخروج من دائرة العقوبات والانهيار الاقتصادي أكثر صعوبة.

