‫الرئيسية‬ تحقيقات تقارير اتهامات سياسية وتبريرات دينية.. من يتحمل مسؤولية الحرب في السودان؟
تقارير - سياسة - 21 يوليو 2026, 19:38

اتهامات سياسية وتبريرات دينية.. من يتحمل مسؤولية الحرب في السودان؟

تقرير: رندا علي

في السودان الذي يعيش واقع الحرب منذ أكثر من ثلاثة أعوام تتسلل الأسئلة الكبرى من تصريح أو عبارة عابرة لكنها تترك أثرا واسعا في الرأي العام، فالكلمات قد تكون أحيانا أشد تأثيرا من الرصاص لأنها تعيد تشكيل الوعي وتوجه الأنظار نحو جوهر الأزمة أو تصرفها عنها.

وفي هذا السياق أعادت تصريحات الداعية محمد الأمين إسماعيل التي حمل فيها المواطن السوداني مسؤولية اندلاع الحرب الجدل إلى الواجهة وفتحت بابا واسعا للنقاش حول حدود مسؤولية المجتمع مقارنة بالمسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية للأطراف التي خاضت الحرب واتخذت قرارها.

وقال محمد الأمين إسماعيل إن مسؤولية الحرب لا تقع على الجيش ولا على قوات الدعم السريع وإنما على المواطن السوداني، معتبرا أن جذور الأزمة تعود إلى الابتعاد عن منهج الله وأن أسبابها الدينية والأخلاقية سبقت أسبابها السياسية والعسكرية.

ويرى مؤيدو هذا الطرح أن حديث الداعية المثير للجدل يستند إلى رؤية دينية تعتبر أن الحروب لا تبدأ مع إطلاق الرصاصة الأولى وإنما تسبقها مقدمات سياسية واجتماعية وأخلاقية مهدت لها، ويشيرون إلى أن الاستقطاب السياسي وسياسات الإقصاء والخلافات الفكرية والدينية كانت من بين العوامل التي أسهمت في صناعة الأزمة وأن حديثه لا يعني تبرئة أي طرف من المسؤولية عن الحرب.

في المقابل رفض الناشط السياسي معمر موسى هذه التصريحات، معتبرا أنها تحمل المجتمع بأكمله مسؤولية لا يمكن تحميلها لملايين المواطنين الذين كانوا في معظمهم ضحايا للحرب، وقال إن السودان يضم عشرات الملايين من المواطنين بينهم الأطفال والنساء وكبار السن ولا يمكن اعتبارهم جميعا مسؤولين عن اندلاع الحرب، مؤكدا أن الشعب السوداني هو المتضرر الأكبر بعد ما تعرض له من قتل ونزوح ودمار وفقدان للممتلكات.

وأضاف أن تفسير الحرب باعتبارها نتيجة مباشرة لذنوب المواطنين يتجاهل الأسباب السياسية والعسكرية والإقليمية التي قادت إليها وفي مقدمتها الصراع على السلطة والتدخلات الخارجية وأخطاء النظام السابق، ويرى أن هذا الطرح قد يقود إلى تخفيف المسؤولية عن الأطراف التي ارتكبت الانتهاكات
كما انتقد الاستدلال ببعض النصوص الدينية خارج سياقها التاريخي، معتبرا أن تحميل شعب كامل مسؤولية الحرب يمثل قراءة انتقائية للأحداث وتساءل عن سبب تجاهل جرائم الحرب والانتهاكات والفساد والاستبداد والتركيز على المواطن العادي.

وتداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي انتقادات مشابهة معتبرين أن التصريحات أغفلت المسؤوليات السياسية والعسكرية المباشرة عن الحرب كما أشاروا إلى غياب دعوات واضحة لوقفها ورأوا أن الخطاب الديني لا ينبغي أن يستخدم لتبرير المواقف السياسية.

ومن جانبه فرق المحامي نبيل أديب بين مسؤولية المجتمع ومسؤولية أطراف الحرب موضحا أن مسؤولية المجتمع ذات طبيعة سياسية واجتماعية تتمثل في الإخفاق في بناء ثقافة تعزز التعايش والحوار وقبول الآخر بينما تقع على عاتق الأطراف المتحاربة مسؤولية قانونية مباشرة عن قرار الحرب والانتهاكات التي صاحبتها.

وأكد أن القانون الدولي الإنساني يلزم أطراف النزاع بحماية المدنيين ويحظر استهدافهم أو استهداف المستشفيات والمدارس والمنازل والأعيان المدنية وأن هذه المسؤولية لا يمكن نقلها إلى المجتمع أو توزيعها على الجميع.

من جانبها قالت الخبيرة الاجتماعية أسماء جمعة إن المجتمع لا يتحمل مسؤولية مباشرة عن الحرب وإن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الحكومة والأطراف المتحاربة لكنها أشارت إلى أن بعض أفراد المجتمع قد يتحملون مسؤولية غير مباشرة إذا ساهموا في نشر خطاب الكراهية أو دعم أطراف النزاع أو الصمت عن الانتهاكات أو التحريض على العنف وهي ممارسات غالبا ما تنتج عن الجهل أو الاستغلال أو التعبئة السياسية.

وأضافت أنه من الضروري التفريق بين المسؤولية الجنائية والسياسية والأخلاقية مؤكدة أن محاسبة قادة الحرب ومنفذي الانتهاكات تبقى أولوية لتحقيق العدالة بينما تمثل مراجعة المجتمع لسلوكياته وثقافته خطوة ضرورية لمنع تكرار الأزمات مستقبلا.

ويخلص الجدل الدائر إلى أن الحديث عن دور المجتمع في تهيئة البيئة التي سبقت الحرب لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإعفاء الأطراف المتحاربة من مسؤولياتها القانونية والسياسية فالمساءلة عن قرار الحرب والانتهاكات تظل مرتبطة بمن اتخذ القرار ونفذه بينما تبقى مراجعة المجتمع مسؤولية موازية تهدف إلى بناء ثقافة السلام ومنع تكرار المأساة.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *