‫الرئيسية‬ اقتصاد تكاليف الظلام.. المواطنون يدفعون ثمن أزمة الكهرباء ورسوم الطاقة الشمسية
اقتصاد - تحقيقات - تقارير - 19 يوليو 2026, 16:12

تكاليف الظلام.. المواطنون يدفعون ثمن أزمة الكهرباء ورسوم الطاقة الشمسية

مداميك: ندى رمضان

لم تعد معاناة المواطنين في العاصمة الخرطوم مع انقطاع الكهرباء تقتصر على ساعات الظلام الطويلة، بل امتدت إلى تفاصيل حياتهم اليومية، من حفظ الطعام والدواء وتشغيل “موتورات”المياه، إلى استمرار الخدمات الصحية والتعليمية والأعمال والأنشطة الاقتصادية. ومع تزايد ساعات القطوعات في عدد من الولايات لا سيما الخرطوم، وجد آلاف المواطنين أنفسهم مضطرين للجوء إلى الطاقة الشمسية باعتبارها البديل الوحيد المتاح، قبل أن تصطدم آمالهم بفرض رسوم جديدة على ملحقاتها، الأمر الذي أثار مخاوف من ارتفاع أسعارها وزيادة الأعباء المعيشية على الأسر.

معاناة يومية:

بهذا الخصوص يقول المواطن محمد عبد الله، صاحب ورشة حدادة في مدينة أم درمان لـ(مداميك)، إن الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي شلّ نشاط ورشته وأفقده مصدر رزقه اليومي. وأضاف أن الكهرباء لا تعود إلا لساعات محدودة، وأحيانًا في أوقات متأخرة من الليل، وهو ما يجعل استئناف العمل أمرًا شبه مستحيل ويؤدي إلى خسائر متواصلة. وأكد أن استمرار هذا الوضع يهدد قدرة أصحاب الأعمال الصغيرة على توفير لقمة العيش، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية القاسية التي فرضتها الحرب، مطالبًا السلطات بإيجاد حلول عاجلة لأزمة الكهرباء.

فيما تقول ربة المنزل، آمنة أحمد، من الخرطوم إن الأسرة أصبحت تنظم يومها وفق مواعيد عودة التيار الكهربائي، واضافت: “ننتظر الكهرباء حتى نشحن الهواتف ونشغل الأجهزة الضرورية، لكن في كثير من الأحيان لا تعود إلا لساعات قليلة لا تكفي لإنجاز أبسط الأعمال”.

أما صاحب بقالة للمواد الغذائية في منطقة الكلاكلة جنوبي الخرطوم، فيؤكد أن الانقطاعات المتكررة كبدته خسائر متواصلة بسبب توقف الثلاجات وتلف بعض السلع، واشار إلى أن تشغيل المولدات أصبح مكلفاً في ظل ارتفاع أسعار الوقود، بينما لا يستطيع تحمل تكلفة تركيب نظام طاقة شمسية متكامل.

وفي القطاع الصحي، يقول د. النذير حجازي صاحب صيدلية بالخرطوم منطقة ابو حمامة، إن انقطاع الكهرباء يهدد سلامة الأدوية التي تحتاج إلى التبريد، خاصة الأنسولين وبعض اللقاحات، كما يضاعف الأعباء المالية على أصحاب الصيدليات الذين يعتمدون على مصادر بديلة للطاقة للحفاظ على صلاحية الأدوية.

كما اكد عدد من المواطنين أن الأزمة لم تعد تقتصر على المنازل، بل أثرت في الأعمال الصغيرة والمخابز ومحال الحلاقة والمقاهي وغيرها من الأنشطة التي تعتمد بشكل مباشر على الكهرباء، الأمر الذي أدى إلى تراجع الدخل اليومي وارتفاع تكلفة الخدمات، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للمواطنين.

نهب البنية التحتية:

ويعاني قطاع الكهرباء في السودان تحديات غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، بعد تعرض محطات التوليد وخطوط النقل وشبكات التوزيع لأضرار واسعة. وقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الخسائر المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية للقطاع بأكثر من ثلاثة مليار دولار، ما انعكس في تراجع الإمداد الكهربائي وانهياره في عدد من الولايات.

وفي هذا الصدد يرى الخبير في قطاع الكهرباء المهندس خالد محمد الحسن، في حديث لـ(مداميك)، أن ما تعرضت له الشبكة القومية لم يقتصر على الأضرار التي تسببت فيها العمليات العسكرية، بل شمل أيضاً عمليات نهب منظمة استهدفت محطات التحويل والمحولات الكهربائية والكوابل الأرضية، وأشار إلى أن تنفيذ مثل هذه العمليات يتطلب خبرات فنية متخصصة، وهو ما يتسق مع تصريحات سابقة لمسؤولين بوزارة الطاقة تحدثوا عن تعقيد عمليات تفكيك المحولات واستخراج النحاس منها. وأضاف أن تقارير صحفية أشارت إلى تصدير كميات من النحاس المستخرج من مكونات الشبكة عبر ميناء بورتسودان باعتبارها “خردة”، وشدد على ضرورة فتح تحقيق مستقل وشفاف لكشف ملابسات تلك العمليات وتحديد المسؤولين عنها.

بديل فرضته الأزمة:

وأكد المهندس خالد فقدان السودان نحو 40% من قدرته الكلية على توليد الكهرباء خلال عام 2025، وأشار إلى تراجع الإمداد الكهربائي بنسب تراوحت بين 45 و60% في العديد من المناطق. واضاف “في ظل هذا الواقع، لم يعد اللجوء إلى الطاقة الشمسية خياراً بيئياً أو استثمارياً، بل تحول إلى ضرورة فرضها انهيار أجزاء واسعة من الشبكة القومية، إذ اتجهت إليها الأسر والمستشفيات والورش والمزارعون لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم اليومية، في ظل أزمة الوقود وتوقف عدد من المحطات الحرارية”.

الطاقة الشمسية ليست الحل الكامل

وبالمقابل، حذر المهندس خالد محمد الحسن من المبالغة في اعتبار الطاقة الشمسية بديلاً كاملاً للكهرباء العامة، ويرى أنها تمثل حلاً مساعداً للتخفيف من آثار الانقطاع، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الشبكة القومية. واشار إلى أن تكلفتها الأولية لا تزال مرتفعة بالنسبة لغالبية المواطنين، وأن استخداماتها تظل محدودة مقارنة بالكهرباء العامة، فضلاً عن حاجتها إلى صيانة دورية واستبدال بعض مكونات المنظومة، خاصة البطاريات، وهو ما يضيف أعباء مالية جديدة على المستخدمين.

بينما قال تجار يعملون بمجال الطاقة الشمسية لـ(مداميك) إن الطلب على الألواح والأنظمة الشمسية ارتفع بصورة كبيرة، خاصة في المناطق التي عاد إليها النازحون، حيث أصبحت الكهرباء شرطاً أساسياً لاستقرار الحياة واستئناف الأعمال. ولم يعد استخدامها مقتصراً على إنارة المنازل، بل امتد إلى تشغيل محطات المياه والآبار الارتوازية والمشروعات الزراعية والمرافق الصحية.

ويتقاطع ذلك مع ما أعلنه والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، الذي أكد أن التوسع في استخدام الطاقات المتجددة والبديلة أصبح ضرورة لمعالجة أزمة الكهرباء، واشار إلى أن نقص الإمداد الكهربائي لا يعود إلى تقصير شركات الكهرباء، وإنما إلى الدمار الواسع الذي تعرضت له منشآت القطاع، بما في ذلك محطات التوليد والخزانات والمحطات الحرارية ومحطات النقل وشبكات التوزيع.

زيادات جديدة:

وكشفت متابعات “مداميك” عن تحدٍّ جديد يواجه البديل ” الطاقة الشمسية” بعد إعلان السلطات فرض رسوم جديدة على موردي ومنتجات الطاقة الشمسية، ما أثار مخاوف من ارتفاع أسعار الأنظمة الشمسية وتراجع قدرة المواطنين على شرائها، رغم أنها أصبحت الوسيلة الأكثر اعتماداً لتعويض قطوعات الإمداد الكهربائي.
وتشمل الرسوم الجديدة ألف جنيه سوداني على كل لوح شمسي، وألف جنيه لكل كيلو فولت أمبير من أجهزة العاكس و100 جنيه لكل أمبير ساعة للبطاريات، وألف جنيه لكل كيلو فولت أمبير للمحولات الكهربائية. كما فرضت الوزارة رسوماً لتسجيل النشاط، بلغت 500 ألف جنيه لتسجيل اسم العمل، ومليون جنيه لتسجيل الشركات.
ووفقا للمتابعات فإن هذه الرسوم ستزيد تكلفة امتلاك أنظمة الطاقة الشمسية، إذ من المتوقع أن ينقل الموردون والتجار هذه الزيادات إلى المستهلك ، ما يضاعف التكلفة على المواطنين الذين اتجهوا إلى هذا الخيار مجبرين بعد تراجع استقرار الإمداد الكهربائي.

تحديات وحلول:

وفي خضم ذلك يقول الخبير الاقتصادي عبدالله الرمادي لـ(مداميك) إن السودان يواجه عقبات كبيرة أمام تمويل المشروعات الكبرى في مجال الطاقة، في ظل التضخم المرتفع، وتدهور قيمة العملة المحلية، وعدم استقرار السياسات الاقتصادية والقوانين المنظمة للاستثمار. وأضاف أن صعوبات التحويلات المالية من السودان وإليه وفق نظام السوق الحر تجعل جذب استثمارات كبيرة لقطاع الطاقة الشمسية أمر معقد.

ودعا السلطات إلى إعفاء منتجات الطاقة الشمسية من الرسوم والضرائب، وتشجيع الاستثمار في الطاقات المتجددة باعتبارها أحد أهم الحلول لتعويض النقص الحاد في الكهرباء خلال مرحلة إعادة الإعمار.

أزمة مفتوحة

وبين شبكة كهرباء دمرتها الحرب، ورسوم تزيد تكلفة البديل الوحيد المتاح، يجد المواطنون أنفسهم أمام معادلة صعبة؛ فلا الكهرباء العامة توفرت ولا الطاقة الشمسية في متناول الجميع. وفي ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية، تبدو إعادة تأهيل قطاع الكهرباء، وحماية بنيته التحتية، وتشجيع استخدام الطاقة، من أبرز التحديات التي ستواجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *