‫الرئيسية‬ ثقافة قصة قصيرة (المعلم)… قصة من وحي الحرب
قصة قصيرة - 18 يوليو 2026, 12:11

(المعلم)… قصة من وحي الحرب

قصة: عاطف عبدالله
كان المشهد درامياً إلى حدٍ بدا معه خارج المكان والزمان، كأنه لقطة من فيلم لا يمكن أن تحدث إلا في صالة سينما معتمة. كانت فوهة مسدسي تستقر على جبين آخر جنود العدو، ولم يكن يفصل بينه وبين الموت سوى ضغطة إصبع.
ومن خلفي دوّى صوت قائد الفيلق، صارخاً ومكبراً:- اقتله… اقتل عدو الله. لا تأخذك به شفقة ولا رحمة.
رفعت بصري إليه لحظة، ثم أعدته إلى الجندي الواقف أمامي. لم يكن سوى فتى لم يتجاوز السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره، كان يرتجف أكثر مما يقاتل، وقد اتسعت عيناه بذعر طفل وجد نفسه فجأة في حرب لم يختَرها.
فترددتُ.
ازداد صوت القائد حدة، فقرّبت المسدس أكثر من جبين الفتى. وفي اللحظة نفسها برز أحد جنود العدو، يجر من عنقه فتىً من أبناء القرية ممن زُجّ بهم في أتون هذه الحرب دون استعداد. كان يثبت سكيناً على نحره، ثم صاح: – يا أستاذ…
عرفت الصوت قبل أن أرى الوجه. كان أحد تلاميذي في مدينة بارا، يوم كنت أعمل معلماً هناك. فتىً موهوباً في الرسم والخط، ولاعب كرة قدم كان الجميع يتنبأ له بمستقبل واعد. لكن الحرب كانت أسرع من أحلامه؛ ابتلعته، ثم أعادته إليّ بعد سنوات يحمل بندقيةً بدلاً من ريشة، وذخيرةً بدلاً من علبة ألوان.
ما زلت أذكر ذلك الصباح في حصة التربية الإسلامية، حين كنت أكتب على السبورة أسماء شهداء معركة صفين. رفع يده، وسألني بجرأة أربكتني: – يا أستاذ… أليست حياة إنسان واحد، أحياناً، أثمن من كل رايات النصر؟
يومها أجبت بما يحفظه أي معلم مشبع بخطاب التعبئة: تحدثت عن التضحية والشهادة وفضائل الفداء، ولم أدرك أن السؤال لم يكن يبحث عن إجابة بقدر ما كان يستشرف امتحاناً.
وها هو يعود إليّ بعد سنوات، لا في فصل دراسي هادئ، بل في قرية تحترق. ولم تعد الإجابة كلمات تُقال، بل رصاصة ستقرر من يبقى حياً ومن يسقط قتيلاً.
وقف التلميذ أمامي، وسكينه على عنق الفتى، وقال بصوت هادئ على نحو أثير دهشتي: – إذا أطلقت النار على زميلي… فسأذبح هذا الولد.
رفعت بصري من جديد. كانت القرية قد تحولت إلى أنقاض؛ جدران مثقوبة، ونوافذ خاوية، ودخان يتصاعد من بيوت كانت، حتى أيام قليلة، عامرة بالحياة. أما الجثث فكانت مبعثرة في كل مكان، ولم يعد ممكناً التمييز بين قتيل وآخر؛ الجميع شباب، والجميع متشابهون، كأن الحرب، حين تفرغ من ضحاياها، تمحو حتى الفروق بينهم.
عاد صوت القائد يجلجل خلفي: – اقتله… واحتسب الآخر شهيداً.
عندها أدركت أنني لم أعد أقف بين جيشين، بل بين فكرتين: فكرة ترى الإنسان قيمة لا يجوز التفريط بها، وأخرى لا تراه إلا رقماً جديداً في سجل القتلى.
أدرت مسدسي ببطء. لكن ليس نحو الجندي الأسير… بل نحو رأس القائد. وضغطت الزناد.
هوى صامتاً، وانقطع الصوت الذي كان قبل لحظات يملأ المكان صراخاً وتكبيراً. ساد صمت ثقيل. أنزل تلميذي السكين عن عنق الفتى القروي، وانخرط الجندي الأسير بين يدي في بكاء صامت. وفي تلك اللحظة، لم يعد أحد منا خصماً للآخر.
طلبت منهما أن يخلعا بزتيهما العسكريتين، وأن يرتديا ما يجدانه من ثياب بين الأنقاض، حتى يخرجا معنا دون أن يثيرا الشبهات.
خرجنا أربعة… أنا… وتلميذي… والفتى الذي كان ينتظر الذبح… وجندي كان قبل دقائق ينتظر رصاصتي.
في الخارج كانت بقية قوات الفيلق قد أحكمت سيطرتها على القرية، بينما علت أصوات الهتاف والتهليل احتفالاً بالنصر.
اقترب مني أحد القادة، وسأل: “أين قائدكم؟ كنت أحدثه قبل قليل.” قلت بهدوء: “قُتل.” ثم أضفت بعد لحظة: “ولعله الآن يُزفّ إلى الحور العين.”
ظل يحدق في وجهي، ثم أشار إلى الثلاثة الواقفين خلفي: “ومن هؤلاء؟” قلت: “من بقي من شباب القرية… وجدناهم يقاتلون دفاعاً عن بيوتهم.” تأملهم لحظة، ثم أشار إلينا أن نمضي.
سرنا بصمت بين البيوت المحترقة. كان تلميذي مطأطئ الرأس، أما الفتيان، فكانا يسيران جنباً إلى جنب، كأنهما اكتشفا، بعد كل هذا الدم، أنهما لم يكونا يوماً عدوين، بل ضحيتين للحرب نفسها.
واصلنا السير في الظلام، بلا رايات، بلا هتافات، بلا أوهام النصر. ابتعدنا عن صخب المنتصرين وحشرجات المنهزمين… كنت أعلم أن الحرب لم تنتهِ بعد… وأن الطريق أمامنا طويل… لكنني كنت متأكداً من شيء واحد: لقد خرجت من تلك القرية لا كجندي منتصر… بل كمعلم استعاد درسه الأول: أن حياة إنسان واحد قد تكون أثمن من كل رايات النصر.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *