
قهوة لا تعرف الحدود …
يوسف الغوث
على ضفاف النيل السوداني وهضاب الحبشة، حيث يتنفّس الضوءُ أبديتَه من رئةِ التُرابِ القديم، لا تبدأ القهوة بحبّةٍ خضراء، بل بشعلةٍ تتأجّج في صدر المجلس…
شرارة التحميص هي ذات بريق الشوق، تتقافز بين الأكفّ كي تذيب ما جمّدته الخرائط، وتُبخّر ما علّقته السياسة من غبار. حين تُدار المقلاة، لا تتشمّس الحبات فحسب، بل تتعرّى الأرواح أيضاً، فتخرج من مكامنها استعداداً للقاء لا يشترط هويّة ولا جوازاً.
إنه قبسٌ مشترك، أوّل من التقطه أيادٍ في جبال كافا، وما زال سعيره يمتدّ تحت الأرض، حيث لا تصل إليه بنادق الحدود.
لا تُحتسى القهوة هنا، بل تُقامُ على مذبحٍ من حرارةٍ متأنية. فالتحميصُ طقسُ تطهير، يُمرّر وعاؤه بين الجالسين كقربانٍ قبلي، ليستنشقوا الدخان قبل أن يذوقوا الطعم؛ وأماالجسد فيُبخّر قبل أن يُروى. ثم يتدفق الإيقاع الثالوثي المحتوم في لسان الحبشة، أو الفنجان الأول والثاني والثالث في لهجة النيل.
لكل جولةٍ حدّتها ومذاقها، لكنها تتحد في غايةٍ واحدة تتمثل في إطالة أنفاس الضيافة، وكأنما اللظى لا يرضى إلا بثلاث شهقاتٍ قبل أن يخبو….
وهنا، لا يُهمّنا شكل الثوب بقدر ما يُهمّنا ما يفعله الدخان به. تتوشّح المرأة الإثيوبية بـالهايشتا كيميس وتتشح الأخرى في شرق السودان بثوبها المزركش، لكن القماشين يتشاركان في مصيرٍ واحد بعد أن يصبحا إسفنجتين للبخور، تحتفظان بعبير المجلس أياماً بعد انفضاضه. فالأطراف المطرّزة ليست زينةً بصرية، بل هي خيوطٌ تلتقط جزيئات الدفء وتخيطها في الذاكرة. والحرف البصري هنا ليس للعيون، بل للأنوف وللجلد الذي يلمس النسيج المشبع بالوهج….
ينتقل هذا القبس من جبال كافا إلى خلاوي السودان، فتحوّل هناك من شرابٍ دنيوي إلى تنوّرٍ روحي. استخدمه الشيوخ سلاحاً للسهر، ووقوداً للذكر، وعوناً على مجاهدة الكرى في مجالس العلم، فصارت القهوة نافذةً على خشوعٍ لا تُدركه المتعة العابرة.
ذلك التوهج الصوفي لم ينطفئ، بل تسرّب إلى شقوق المدن الحديثة. واليوم، تقف بائعات إثيوبيات على أرصفة الخرطوم، يُشعلن مواقدَ صغيرةً تمزج النكهة الكلاسيكية بالهيل والزنجبيل، فيختلطن بظاهرة (ست الشاي) السودانية، كلَهيبٍ جديدٍ في جدار الفصل.
تتحول تلك المساحات المفتوحة إلى ملتقياتٍ عابرة للطبقات، تجمع العامل بالأديب، والشاعر بالمهمّش، في طقسٍ جماعي يُذيب الفوارق، ويثبت أن التواصل لا يُبنى بالكلمات، بل بصوت ارتشافٍ واحدٍ يتعالى على ضجيج الشارع.
ونحن في زمن تتشابك فيه الخلافات على مجاري النيل وتتصلب الحدود، يظل هذا الفنجان معبراً سريّاً للسلام، لا يحتاج إلى بروتوكولات. يتخاصمون على الماء، ويتفقون على الوهج. فحين ترتشف القهوة هنا أو هناك، لا تحتسي حبوباً محمّصة، بل تتنفّس تاريخاً لم تشوهه النزاعات، وترتحل في روحٍ صوفية تسامت على صخب المصائر.
إنها لغةٌ وجدانية تبدأ حيث ينتهي الكلام، تختزل في فنجانها عبق الجذور ورماد الخلافات، لتعلن في النهاية أن اللهيبَ الذي جمع الأجداد في كهوف الظل، ستظلّ حرارته أقوى من كلّ السدود التي تُبنى على الماء..

