‫الرئيسية‬ مقالات السودان بين حرب السلاح وأزمة الدولة
مقالات - 12 يونيو 2026, 13:48

السودان بين حرب السلاح وأزمة الدولة

م/عادل أحمد محمد

قبل أن تكون مأساة السودان مواجهة عسكرية بين جيشين اقتتلا ثم دمرا الوطن، هي أزمة وجود لطريقة تشكل الدولة عبر عقود من الحكم القائم على القوة أكثر من قيامه على المؤسسات. فالحرب التي يشهدها السودان اليوم لم تنشأ من فراغ، ولم تبدأ مع أول رصاصة، وإنما جاءت نتيجة لتراكم طويل من السياسات التي أضعفت الدولة المدنية وفتحت المجال أمام مراكز قوة متنافسة خارج إطار المؤسسات الوطنية.
لقد أسهمت النخب الحاكمة المتعاقبة في إضعاف أسس الدولة الحديثة عندما قدمت الولاءات السياسية والعسكرية على بناء مؤسسات مهنية مستقلة وقادرة على إدارة التنوع السوداني وحماية وحدة البلاد. وفي هذا السياق نشأت تشكيلات مسلحة متعددة، جرى توظيفها في الصراعات السياسية والأمنية باعتبارها قنابل موقوتة، قبل أن تتحول مع الزمن إلى مراكز نفوذ تمتلك مصالحها الخاصة وقدرتها الذاتية على فرض وتغيير الوقائع….
ومن بين أخطر نتائج هذا المسار تبرز قضية رعاية الدولة لمجموعات مسلحة غير نظامية،، وهو ما أوجد البيئة التي قادت في النهاية إلى الحرب الحالية. فالدولة لا تُقاس فقط بحدودها أو بمؤسساتها الرسمية، وإنما بقدرتها على احتكار السلاح و إخضاعه للقانون، وحين يصبح السلاح منافساً للدولة أو بديلاً عنها، تدخل البلاد في دائرة من عدم الاستقرار يصعب الخروج منها..
أن الانتهاكات الواسعة التي تعرض لها المدنيون خلال الحرب، من قتل ونزوح ونهب وتدمير للممتلكات العامة والخاصة، كشفت بوضوح عن حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودانيون. وهي انتهاكات تستوجب الإدانة والمحاسبة القانونية أياً كان مرتكبيها، لأن حماية المدنيين ليست قضية سياسية قابلة للمساومة، بل مبدأ أساسي في أي دولة تحترم مواطنيها.
إلى جانب الخسائر البشرية، تعرض النسيج الاقتصادي السوداني لانهيار منهجي لم تشهده البلاد منذ استقلالها. فالحرب لم تُدمر المصانع والجسور فحسب، بل قضت على قطاعات حيوية كالزراعة والخدمات العامة ودمرت آلاف القرى، وأدخلت الملايين في دوامة المجاعة.،،الامر الذي كشف عن أبعاد جديدة للأزمة تجاوز منطق المواجهة العسكرية المباشرة…علما بان
كارثة الحرب لا يمكن اختزالها في البعد العسكري وحده. فإذا كانت مراكز السلاح تتحمل مسؤولية إطلاق النار، فإن قطاعات من القوى السياسية تتحمل مسؤوليتها في الدعوة والتحريض لإراقة مزيد من نزيف الدم السوداني…
فقد كان أولي بالفاعلين السياسيين تجنب الصراعات الجانبية وحشد طاقاتهم من اجل بناء جبهة مدنية موحدة قادرة على إيقاف صوت البندقية وحقن دماء الأبرياء،،
غير أن هذا الموقف من بعض القوي السياسية،، لا ينبغي تعميمه أو اليأس منه فما زالت هناك قوى مدنية ونقابية ومهنية وشخصيات وطنية تعمل،،، رغم الظروف القاسية، من أجل الدفاع عن قيم السلام والديمقراطية والدولة المدنية،،وذلك انطلاقا من رغبة قطاعات واسعة داخل المجتمع السوداني في تمسكه بحقه في الحرية والكرامة والحكم المدني …
وفي هذا الصدد لا يمكن فهم تعقيد الأزمة السودانية دون النظر إلى العامل الإقليمي والدولي، حيث تحول السودان إلى ساحة لصراعات نفوذ بين قوى خارجية ترى في استمرار الفوضى فرصة لتعزيز مصالحها مع تباين في المواقف الدولية دون مراعاة للكارثة الإنسانية التي يمر بها السودان
إن الخطأ الأكبر الذي يتكرر في التجربة السودانية هو الاعتقاد بأن مشكلات السياسة يمكن أن تُحل بالسلاح. فتاريخ النزعات المسلحة ، تبين أن القوة العسكرية لا تحسم معركة، ولا تبني دولة مستقرة ولا تنتج شرعية دائمة.،،،وحدها المؤسسات الديمقراطية والعدالة وسيادة القانون قادرة على تأسيس سلام مستدام يحظى بقبول المواطنين.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس من الذي سينتصر عسكرياً، بل كيف يمكن استعادة الدولة من منطق الحرب،، وكيف يمكن إعادة بناء مؤسسات وطنية مهنية، وإطلاق عملية سياسية شاملة، ومن ثم إنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة، وتمكين المواطنين من اختيار حكامهم عبر الوسائل الديمقراطية لا عبر فوهات البنادق.
رغم حجم الدمار، سيبقى الأمل معقوداً ليس على نصر عابر، بل على لحظة يدرك فيها الجميع أن السودان أكبر من طموحاتهم الضيقة،،،
تلك اللحظة وحدها هي بوابة إعادة البناء، وهي قادمة ولو بعد حين، لأن الشعوب المقهورة لا تنسى دروسها، والضفة الأخرى لليأس دائمة الوجود…
سيبقى المواطن السوداني، الذي دفع أثمان الحرب من أمنه ورزقه ومستقبله، الركيزة الحقيقية لأي مشروع وطني قادم، لأن الأوطان لا تُبنى بالسلاح ولا بالمحاصصات، وإنما بإرادة الشعوب وإيمانها بحقها في العيش الكريم وفي دولة الحرية والعدالة والسلام.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *