‫الرئيسية‬ تحقيقات تقارير كواليس “مشاورات أديس أبابا”: صراع الأجندات وفخاخ “الإغراق” يفككان جبهة القوى المدنية والسياسية
تقارير - 10 يونيو 2026, 20:15

كواليس “مشاورات أديس أبابا”: صراع الأجندات وفخاخ “الإغراق” يفككان جبهة القوى المدنية والسياسية

أديس أبابا: مراسل مداميك
لم تكن العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في يومي الثالث والرابع من يونيو الجاري، مجرد مستضيفةٍ لجلسات مشاورات سياسية عادية، بل تحولت ردهات فندق “هيلتون” إلى مسرح لمعارك سياسية صامتة، ومحاولات مستميتة للالتفاف على الثوابت، كادت تعصف بالمنبر الدولي الذي تقوده الآلية الخماسية.
بدأت فصول الرواية المتوترة منذ مساء الثاني من يونيو، فور وصول الوفود السياسية والمدنية المدعوة إلى الفندق. إذ لم تمضِ ساعة واحدة على استقرار الوفود في غرفها، حتى تسلل عبر وسائط التواصل الاجتماعي تسجيل صوتي لرئيس مسار الشمال بالجبهة الثورية، محمد سيد أحمد “الجاكومي”، يعلن فيه مشاركته في المشاورات. كان هذا التسجيل بمثابة جرس إنذار هزّ أركان القوى السياسية والمدنية المتمسكة بأجندة الثورة؛ إذ اعتبرت حضور الجاكومي ومجموعته محاولة متعمدة من الوسطاء لـ “إغراق” العملية السياسية بواجهات تابعة للمؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وتمرير رغبات الجيش في إفشال أي تقارب مدني.
تحول الفندق في تلك الليلة إلى خلية نحل؛ حيث انخرطت قوى رئيسية في اجتماعات مغلقة وطارئة، شملت حزب المؤتمر الشعبي بقيادة علي الحاج، وتحالف “صمود”، وحركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، إلى جانب ممثلي المنظمات المدنية والشبابية والنسوية. ومع إشراقة صباح الثالث من يونيو، اتخذت هذه الأجسام موقفاً صارماً بالامتناع الجماعي عن دخول القاعة الرئيسية.
هذا الموقف الحازم دفع رئيس الآلية الخماسية، محمد شمباس، إلى المسارعة بعقد اجتماع خاص مع المجموعات المقاطعة لامتصاص غضبها. وأبدى المشاركون رفضهم القاطع لشرعنة وجود مجموعة الجاكومي. غير أن شمباس واجه هذا الرفض بحدة، معتبراً إياه تدخلاً في تفويض الآلية كوسطاء، وهو أسلوب أثار حفيظة الحاضرين الذين تمسكوا بمقاطعتهم؛ لكنهم في الوقت ذاته، وتفادياً لاتهامهم بإفشال المنبر الدولي، قرروا صياغة ورقة موقف مستقلة تحدد بدقة رؤيتهم لأطراف العملية السياسية وتشكيل لجنتها التحضيرية.
في هذه الأثناء، بدت القاعة الرئيسية شبه خاوية؛ فمن أصل 42 شخصية دُعيت للمشاورات، لم يظهر في الجلسة الافتتاحية سوى سبعة أشخاص فقط، مثلوا المؤتمر الشعبي (جناح إبراهيم محمود)، وتحالف الحراك الوطني بقيادة التجاني السيسي، وبعض الوجوه المحسوبة على سلطة بورتسودان، بينما اتخذت الكتلة الديمقراطية موقفاً متذبذباً بالتماشي مع الرافضين تارة، واللعب خلف الكواليس تارة أخرى.
وفي قراءة لكواليس هذا المشهد، كشف المراقب السياسي، محمد علي، لـ “مداميك” أن الإجماع على رفض المؤتمر الوطني كان ظاهرياً، لكن الشياطين تكمن في التفاصيل؛ فمقاطعة جناح علي الحاج (المؤتمر الشعبي) عبر ممثلهم د. محمد بدر الدين، كانت بدافع رفض حضور “تاج الدين بانقا” المحسوب على جناح إبراهيم محمود المنشق، باعتبارهم مفصولين من الحزب ولا يحق لهم الحديث باسمه. أما تحالف “صمود” وحركة عبد الواحد نور وحزب البعث والمجموعات الشبابية والنسوية، فكانت معركتهم مبدئية ضد “الإغراق” وتمرير أجندة فلول النظام البائد.
وفي زاوية أخرى من المشهد، كان الحزب الشيوعي السوداني يغرد كعادته بعيداً ؛ إذ رفض الجلوس مع الكتل المجتمعة كافة، واكتفى بعقد لقاء منفرد مع الخماسية سلمها خلاله مذكرة سياسية واضحة، معتبراً ما يحدث في أديس أبابا محاولة بائسة لإنتاج “شراكة دم” جديدة، مؤكداً مراهنته الكاملة على الجماهير لوقف الحرب وتأسيس الدولة المدنية.
ومع استمرار النقاشات، انقسمت القوى المتبقية إلى معسكرين: معسكر “إعلان المبادئ السوداني وصمود وحركة عبد الواحد والبعث”، ومعسكر “الكتلة الديمقراطية”. نجحت المجموعة الأولى في صياغة رؤية موحدة والتواصل مع الكتلة الديمقراطية، وبعد ماراثون من النقاشات المكثفة، تم دمج الرؤيتين في وثيقة واحدة.
لكن المفاجأة الطارئة حدثت قبيل التوقيع؛ حيث تنبهت مجموعة إعلان المبادئ وصمود وعبد الواحد إلى خلو الوثيقة من بند جوهري، فتقدموا بمقترح حاسم يقضي بتضمين عبارة: “ما عدا المؤتمر الوطني وواجهاته”. فجّر هذا الشرط الخلاف مجدداً؛ حيث رفضت الكتلة الديمقراطية التضمين بشدة، بينما رهن ممثلو عبد الواحد نور توقيعهم بوجود العبارة. وبعد شد وجذب، لجأ الطرفان إلى مخرج غريب، تمثل في كتابة وثيقتين: وثيقة تشتمل على العبارة ويوقع عليها الجميع باستثناء الكتلة الديمقراطية، ووثيقة تُحذف منها العبارة ويوقع عليها الجميع باستثناء حركة عبد الواحد نور. ومع ذلك، لم يسلم هذا المخرج من مشادات كلامية حادة أشعلها المؤتمر الشعبي (جناح إبراهيم محمود) والحراك الوطني لمنع تسليم المذكرة للخماسية، في وقت فاجأ فيه مبارك أردول الجميع بإعلانه دعم نص الإقصاء بعد ست ساعات من انتهاء التوقيع.
ولم تقتصر ارتدادات هذه الهزة السياسية على النصوص فحسب، بل ضربت عمق الكتلة الديمقراطية؛ حيث أعلنت الأستاذة سالي زكي، مساعد رئيس الكتلة وعضو مكتبها الرئاسي، استقالتها واعتزالها العمل السياسي المشترك وسط التحالفات الحالية، واصفة المناخ السياسي بأنه بات يعتمد على تحالفات “لا تشبه قناعاتها”، معلنة عودتها لمربع الاستقلالية كمواطنة تراقب وتكتب من بعيد.
وفي قراءة تعكس عمق الأزمة، جاء موقف الحركة الشعبية- التيار الثوري الديمقراطي، عبر نائبة رئيسها بثينة دينار، ليتبرأ تماماً من وثيقة اللجنة التحضيرية والبيان الصحفي الصادر في 5 يونيو. وأكدت الحركة أن ما حدث في أديس أبابا كان نقاشاً سياسياً معزولاً عن واقع الكارثة الإنسانية وحماية المدنيين، واصفة إياه بأنه “رفاهية نظرية” أعادت إنتاج صيغ مشوهة أضعف حتى من اتفاق “روتانا” قبل الحرب، وأن رفض إقصاء المؤتمر الوطني وواجهاته يضع علامات استفهام كبرى حول مكافأة من أشعلوا الحرب وإغراق المنبر بحلول هشّة لا تخاطب جذور الأزمة.
تفرق السامر في أديس أبابا، وحُزمت الحقائب، لكن القوى السودانية غادرت العاصمة الإثيوبية وهي تحمل في جعبتها وثائق منقسمة، وتحالفات متصدعة، لتظل أزمة البلاد تدور في حلقة مفرغة، تنتظر رؤية وطنية شجاعة تتجاوز المناورات الصغيرة إلى أفق إنقاذ الوطن.
اختراق في جدار الأزمة: هل تتوحد القوى المدنية مجدداً؟
رغم كل هذه التعقيدات، يرى مراقبون أن ما حدث في أديس أبابا يعد اختراقاً حقيقياً يحمل في طياته احتمالية توحيد القوى السياسية والمدنية التي تفرقت عشية انقلاب 25 أكتوبر 2021م.
وفي هذا الصدد، يقول المحلل السياسي، محمد عثمان، في حديثه لـ “مداميك”: “إن ما حدث في أديس أبابا، رغم تبعاته السلبية، يظل أمراً صحياً بالنظر إلى تاريخ الأزمة”. وأوضح عثمان أن انقسام القوى المدنية السودانية إبان الفترة الانتقالية، والانشقاق الحاد بين الكتلة الديمقراطية والحرية والتغيير (المجلس المركزي)، جعل هذه الأطراف تعجز عن الجلوس معاً أو الاتفاق على أي قاسم مشترك منذ ذلك الحين.
وأضاف عثمان: “إن تشرذم القوى المدنية ساعد بشكل كبير في نجاح الانقلاب، كما أن اصطفافها الحالي يساهم في استمرار الحرب؛ ولذلك فإن اتفاقها اليوم على أسس جوهرية يعني بداية عودة الأوضاع إلى طبيعتها، لكون القوى المدنية هي الرافعة الأساسية لخيارات مناهضة الحرب واستعادة المسار الديمقراطي، مما يجعل من خطوة أديس أبابا مدخلاً رئيسياً لوقف الحرب في السودان”.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال