
الصدمة …..دمار الحاضر و وتشويه المستقبل
مجدي اسحق
ان كارثة الحرب هي الدمار
إن الدمار المادي رغم بشاعته فهو قدر من السهل تجاوزه
إن الحرب ليست تجربة دمار مادي فقط بل دمار في تركيبة المجتمع النفسية والسلوكية والأخلاقية.
دمار وكارثة لا تكتمل أركانها اليوم وتختفي في ذاكرة الزمن، بل هي صدمة لا تبقى تجربة فردية، بل تتحول إلى ذاكرة جماعية تنتقل عبر الزمن، وتنتقل بين الأجيال، حيث يتم نقلها من خلال أنماط التربية واللغة التي تُحكى بها الذكريات، مرتبطةً بالاستجابات العاطفية من خوف وحذر وعنف وغضب وحزن.
إن انتقال الصدمات بين الأجيال، والمشاعر المرتبطة بها، والقيم المعرفية، لا يحتاج إلى التعرض المباشر للحدث، حيث إن الطفل يتبنى استجابات الخوف والعدوان والحزن من الوالدين بالملاحظة، إذ يتم التنظيم العاطفي بمتابعة ومراقبة ما يدور في محيط الأسرة. فإذا كانت البيئة مشحونة بالحزن أو الخوف أو الغضب، فإن ذلك يقود إلى ارتباط غير آمن، بل قد يقود إلى نتائج سلبية في تركيبته كفرد أو داخل الشرائح الاجتماعية.
حيث قد تقود المفاهيم المرتبطة بذكريات الحرب إلى ترسيخ أن العالم خطر، وأنه لا ينبغي الثقة بأحد بعد ذلك، خاصة إذا ارتبط ذلك بذاكرة جمعية انتقائية تركز على الألم دون معالجته. بل في كثير من الأحيان قد تقف عند مستوى منع الحديث عن الصدمة، مما يخلق حاجزًا يجعل الألم معلومًا دون التدخل في جذوره وتفكيك أبعاده.
إن الدراسات العلمية التي تناولت أحداث وجرائم الحرب تشير إلى أن الصدمة تؤثر على أجيال بعد أجيال، حيث إنها ليست مجرد تجربة نفسية، بل هي إعادة إنتاج القهر من خلال إنسان حزين وخائف ومنسحب أو عدواني. كما أنها تكرس مفاهيم الوعي الزائف، فتصبح جزءًا من ثقافة عامة، ووعيًا يتم فيه تشويه الواقع، يجعل الإنسان في بعض الأحيان يدافع عن العدالة الانتقامية، ويبرر القهر، بل ويدافع عمّن يضطهده، ويعجز عن رؤية البدائل.
حيث إن التنشئة الاجتماعية قد تكون محاصرة بوعي قاصر لا يرى في السلطة إلا كيانًا مقدسًا لا يخطئ، فتصبح الاختلافات مجرد خيانة، وتكون النجاة في الصمت وعدم الحديث عن المؤسسات.
إن استمرار الصدمة وتأثيرها لا يكون على مستوى الأسرة فقط، بل نجد أن مؤسسات دولة القهر تمارس ذلك من خلال مؤسسات التعليم والإعلام الموجّه، مع تكريس خطاب معرفي ديني وسياسي يعبر عن رؤية السلطة، ويكون بعيدًا عن الحقيقة. ويرتبط بذلك غرس مشاعر متفلتة من الخوف والغضب، تمنع التفكير النقدي، وتوجه كل طاقاتها نحو عدو بديل.
إن السلطة قادرة على تبرير الأفعال المؤذية، وذلك القهر كجزء من المعادلة، حيث يتم تشكيل المعتقدات في سياقات الحروب، ويتم إعادة إنتاج خطاب الكراهية عبر الأجيال. إن الوعي الزائف ليس مجرد خطأ معرفي، بل هو بنية ثقافية تخدم استمرار السيطرة عبر تعطيل الوعي النقدي الموضوعي، فترى في المستقبل ليس قدرًا يتطور فيه الإنسان، بل نتيجة مرتبطة بجذورها بواقع الحروب والقمع، يصعب فيها على المجتمع تفكيك الصدمة، فيتم إعادة إنتاج العنف واستمرار الاستقطاب، وتوريث الخوف والكراهية، ويكون الفشل الحقيقي في إنتاج أي وعي يقود إلى التغيير.
على المستوى النفسي، من الصعوبة بمكان تجاوز الصدمة إذا لم يتم الاعتراف بها وخلق مساحات آمنة للتعبير عنها، تساعد في إعادة فهم ما جرى وتنظيم المعنى. حيث يجب المساعدة في الانتقال من وعي عاطفي مرتبط بالمشاعر إلى وعي موضوعي منطقي، يتجاوز موقع الضحية ليصبح فاعلًا ينظر للأحداث دون أن تسيطر عليه مشاعر الإحباط والحزن والغضب.
حيث إن الاعتراف والقبول بالصدمة يقللان من انتقالها بين الأجيال. إذن فالصدمة غير المعالجة تنتج خوفًا وصمتًا ومشاعر منفلتة، وهذه الحالة تقود إلى إنتاج وعي مزيف يعيد إنتاج القهر ويعيد إنتاج الصدمة في الأجيال التي تليها.
حيث إن الحدث لا يُنقل كما هو، بل يُضاف إليه ما يرتبط به من خوف مزمن وتوقع للخطر حتى في غيابه، وارتباط ذلك بمشاعر العدوان والغضب والتصورات المشوهة عن الذات والآخرين.
هذا الاضطراب يمارس إسقاط مفاهيمه الواعية وغير الواعية على الأجيال الجديدة، فتترسخ فيها طبيعة الألم والصمت الجماعي وثقافة الخوف، فتصبح الصدمة بنية نفسية جماعية تعيق الفعل وتسهل السيطرة، حيث تصبح القوة تعني القسوة، والصمت يعني الأمان.
في واقع الحرب، تصبح الأسرة وحدة حماية لبنية القهر، فتعيد إنتاج ثقافة القهر، وتخلق ثقافة مشوهة قد تبرر القهر وتعيد تعريف مفهوم الضحية وتعطي شرعية للعنف، حيث يغيب التفكير النقدي ويتم التلقين بدل التحليل، ويساعد في ذلك صناعة العدو وتضخيم الخطر وتبسيط الواقع إلى ثنائيات.
إن القضية الأساسية، من منظور علم النفس السياسي التحرري، أن الصدمة لا تورث فقط، بل يُورث معها الجانب المشاعري والمعرفي المرتبط بها، حيث يتوارث الجيل الجديد الاستجابة النفسية للحدث والإطار المعرفي المرتبط به.
هذا الإطار المعرفي، في كثير من الأحيان، يكون جزءًا من بنية القهر والوعي الزائف، حيث يتم فيه تشكيل النظرة للعالم باعتباره خطرًا وتهديدًا، مع النظر إلى الآخر باعتباره عدوًا، مما يزيد من مشاعر الكراهية والتشظي داخل المجتمع.
حيث إن كثيرًا من الدلالات العلمية قد أثبتت أن أبناء الناجين من الحروب يظهرون معدلات أعلى من اضطرابات القلق، بل إن الجيل الثاني يظهر مستويات متقاربة من هذه التفاعلات النفسية، وقد ثبت أنه يتم توريث حالة الاستعداد للخضوع أو للعنف دون وعي.
وقد يساهم في ذلك التربية ونقل الثقافة في طريقة التعامل مع الصدمة، حيث لا تكون الصدمة مجرد تجربة تاريخية، بل تصبح نمط حياة ووسيلة دفاع يتعايش معها الفرد والأسرة والمجتمع.
حيث إن الخوف المزمن قد يقود إلى ارتفاع مستويات الحذر والتربية الصارمة، مع فقدان الأمان، مما قد يقود إلى بعض التفلت والمشاعر الفوضوية، وقد تظهر ثقافة ارتفاع وتيرة عدم الثقة والإيمان بالعنف كوسيلة لحل المعضلات.
هذه التفاعلات قد تقود إلى ضعف في التنظيم العاطفي وميل للانسحاب أو العدوان. إن هذه الذاكرة الجماعية هي الطريقة التي يتمكن بها المجتمع من تفسير نفسه، ومع خلق ثقافة غير محايدة يرتفع فيها مستوى الإنكار والتبرير والإسقاط، يتم إعادة صياغة التاريخ برؤى تخدم ثقافة الهيمنة والقمع.
حيث في كثير من الأحيان لا تكون أسباب القهر الحقيقية واضحة، ولا يظهر فيها الفاعلون الحقيقيون، فيتم تزييف التاريخ، ويتحول الضحية إلى مذنب، ويصبح العنف كأنه ضرورة، نتيجة لتبسيط الصراع إلى ثنائية الخير والشر.
هذا يقود إلى انقسام المجتمع نتيجة لفقدان الحقائق المشتركة، مما يؤدي إلى تبني هويات متضادة ومتصارعة، تجعل كل شريحة اجتماعية متمترسة في موقعها، مما يقود إلى استحالة التعافي الحقيقي.
هنا تصبح الذاكرة المشوهة أداة سياسية لإعادة إنتاج نفس البنية التي صنعت القهر.
هذه الدائرة تتطلب الكسر، حيث يتم تحويل الصدمة إلى وعي فعال يرفض الوعي الزائف ويساهم في بناء اجتماعي جديد. إن انتقال الصدمة عبر الأجيال ليس مجرد نقل للذكريات، بل هو نقل لأنماط من المعرفة والانفعالات والسلوك والمواقف، تشكلت تحت ظروف القهر والخطر.
إن ما يتم توريثه يمكن تفكيكه، ولكن بشرط من الضروري الانتقال بتجربة الصدمة من موقعها اللاواعي إلى موقعها الواعي، من خلال الاعتراف بها، وتفكيك مشاعر الخوف، وتفسير الواقع كما حدث، مع نقد خطابات التبرير وكشف التزييف فيها، وبناء فهم موضوعي للواقع.
هذا يساعد في خلق الثقة، وفتح مساحات للحوار، واستعادة الروابط الاجتماعية، والانتقال من هوية الضحية إلى هوية الفاعل القادر على التغيير، من “نحن ضحايا” إلى “نحن قادرون”.
وعي لا يبرر القهر، بل يرفضه،
وعي يشجع التعبير، ويعزز الأمان النفسي،
وعي يؤمن بإمكانية صناعة المستقبل.
إن الدعوة لإيقاف الحرب ليس فقط من أجل وقف الدمار والتوحش الذي يحاصرنا في كل يوم بل هو فرض علينا جميعا ان نسعى اليه لنحمي مستقبل الوطن من التردي ومن التوحش والجراح.
فهل توقفنا …
هذه الكارثة وفتحنا الباب لنور الوعي قبل أن تسرقنا دوامة العنف وثقافة الحسم التي لن تنتج الا العنف والتشظي والانهيار
فهل توقفنا…
ننقذ ما تبقى من أخلاق ونحاصر جراثيم القسوة والتوحش والرغبة في الانتقام
فهل توقفنا
حتى لا يصبح مستقبلنا مستنقعا من الغضب والألم والجراح
فهل توقفنا….لنحافظ على سودانيتنا..وماتبقى من سمات..قبل أن تضيع كل ماتبقى لدينا من إنسانية ومحبة وأخلاق..
فهل توقفنا………

