‫الرئيسية‬ ثقافة الكمساري… طقطقة الأصابع في زمن الرصاص
ثقافة - 9 يونيو 2026, 19:49

الكمساري… طقطقة الأصابع في زمن الرصاص

يوسف الغوث

من منا لا يتذكر الكمساري؟
من منا لم يصعد ذات صباح إلى هايس يئن تحت ثقل الركاب، فيسمع ذلك الصوت الجهور الذي يشق ضجيج الشارع (الثورة بالنص أو الثورة بالوادي؟).
ومن منا لم يجلس في مقعد خلفي تتقاذفه المطبات، أو مقعد أمامي (كرسي الشهيد) وعيناه تتابعان ذلك الرجل الذي يقف على باب الحافلة وكأنه على حافة الهاوية؟ هو هناك، ثابت لا تتزحزح قدماه، ممسكاً بباب الحافلة بيد، ومفرغاً اليد الأخرى لاستقبال ما يرميه إليه القدر من نقود وبشر.
وهكذا تمر الرحلة،، الكمساري ينادي، والسائق يسوق، والركاب يتزاحمون، والحافلة تتمايل بين حفر لا تنتهي ومطبات لا تنقطع.. في قلب هذا التمايل، تولد طقوس صغيرة لا يلتفت إليها أحد لكنها عماد النظام كله،،منها تلك العادة التي لا تخطئها عين, فالراكب يمد يده بالأجرة، ليس ملقياً بها في الهواء، ولا مسلماً إياها بكفه المفتوحة، بل يضعها بين أصابع الكمساري الطويلة و النحيلة وكانه يقول للكمساري هذه أجرتك، خذها واحسبها. والكمساري، دون أن يحول عينيه عن الطريق، يعرف المبلغ بمجرد ان تتحس،يداه النقود ،ثم تتراقص أصابعه لترد الباقي في سرعة من يعزف لحنا حفظه عن ظهر قلب….يحدث كل هذا و بلغة صامتة تحت سقف صاخب، وموسيقى هادئة في قلب فوضى مدوية..
وبينما الرحلة تمضي، والركاب يأخذون أماكنهم ويدفعون أجورهم، يأخذ كل راكب معه سرا آخر،،فكل راكب يصل إلى المكان الذي يريد، يمد يده أعلى سقف الحافلة ، ثم يحدث بأصابعه صوتاً خفيفاً يعرفه الكمساري من بين مئة صوت آخر. فهذه الإشارة تعني أوقف الحافلة أريد النزول هنا، فإن كان المكان غير مناسب لوقوف الحافلة، صرخ الكمساري من مكانه مكانك يا حاج، لسة بدري وإن كان المكان مناسبا ارسل الكمساري إشارته الخاصة إلى السائق (قرصة يا اسطي) أو ضرب جسد الحافلة بشكل خفيف، وعندها تتوقف الحافلة هكذا ببساطة، دون أسلاك أو أزرار أو أجهزة تحديد الموقع..
هذا التبادل الخفي، وهذه الإشارات المتقاطعة بين ثلاثة أطراف، هي نبض الشارع السوداني والذي لا يراه من ليس فيه والكمساري في قلب هذه الشبكة ليس مجرد وسيط، بل هو العازف المنفرد وضابط الإيقاع وقائد الأوركسترا في آن واحد.
يمزح مع الراكب الخائف او الغاضب .ثم يسكت المتشاجرين بعبارة حاسمة و يضحك الجميع.. يصرخ في وجه من يحاول استفزازه خاصة أولئك الذين ينادونه (بالبلف) ثم يدندن مع نفسه بصوت هادئي..
جاءت الحرب العبثية والتي لم تعلن عن نفسها بالموت والدمار فقط، بل باختفاء كل أصوات الحياة فجأة وبدون مقدمات فالشارع نفسه و الذي كان يضج بالمارة والركاب صار مقبرة صامتة..
والكمساري الذي كانت أصابعه تعزف كل صباح وجدها جامدة. لا نقود تطقطق بينها، ولا حافلة يركب عليها،،
نزح الجميع إلى مدن أخرى، وقفوا هناك على أبواب حافلات جديدة، ومدوا أصابعهم لتفعل ما كانت تفعل، لكن الأصابع تلعثمت. فالعملة جديدة، والركاب مختلفون ولغة الإشارات القديمة لم تعد مفهومة في بلاد لم تشهد تلك الطقوس من قبل..
والراكب الذي كان يمد يده إيذاناً بالوصول، صار اليوم يمد بأصابعه المرتعشة إلى مقبض بيته خوفاً قبل أن يفتحه…. وحتى الإشارة التي كانت علامة سلام وصول أضحت علامة خوف وارتعاش.. إن الحرب لم تدمر الطرق والجسور فقط، بل غيرت معنى كل لغة، وأفقدت كل إشارة براءتها الأولى..
الكمساري اليوم جالس في مكان ما من المنفى، ينظر إلى أصابعه الطويلة التي كانت آلة موسيقية دقيقة. و يحاول أن يحركها على غير شيء، فلا تجيب. لقد فقد لغته قبل أن يفقد قوته. وأصبح كشاعر صمت في منتصف القصيدة، وكعازف كسرت أوتاره في ليلة الحفل الأخير…
لقد أصبح الشارع مجرد اسفلت صامت وتحولت الحافلات الي خردة صماء.
قد تعود الحافلات ذات يوم، وقد يعود الكمساري إلى حافلاته ويبسط أصابعه مرة أخرى، ولكن الإشارة التي كانت خفيفة كالهمس ستصبح أثقل، والطريق الذي كان يمزح فيه صار أقسى من أن يضحك أحد، فالأصابع التي عزفت عمراً لن تعزف كما كانت. لأن الحرب لا تمر على أحد ولن تمر على شيء دون أن تترك فيه نقوش مؤلمة لقد أصيب جوف الكمساري بجرح غائر، لن تطقطق بعده أصابع..

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *