‫الرئيسية‬ مقالات المرأة السودانية في زمن الحرب: الإدارة الصامتة التي حافظت على استمرارية الحياة
مقالات - 6 يونيو 2026, 22:49

المرأة السودانية في زمن الحرب: الإدارة الصامتة التي حافظت على استمرارية الحياة

بروف: عاصم التجاني شمعون
عندما تذكر الحروب والأزمات، تتجه الأنظار غالبا إلى ساحات القتال، والخسائر الاقتصادية، والتحولات السياسية الكبرى. لكن ثمة معركة أخرى أقل ظهورا وأكثر عمقا تدور كل يوم داخل البيوت ومراكز النزوح والمجتمعات المحلية، معركة الحفاظ على استمرارية الحياة نفسها. فهي ليست مجرد متضررة من الأزمات كما تظهرها الإحصاءات والتقارير الإنسانية، بل هي في كثير من الأحيان المدير الفعلي للحياة اليومية، والمسؤولة عن تحويل الموارد المحدودة إلى أسباب للبقاء، وعن تحويل الخوف إلى طمأنينة، والفوضى إلى قدر من النظام، واليأس إلى أمل يمكن العيش عليه.
لقد كشفت الحرب الأخيرة، كما كشفت أزمات سابقة مرت على السودان، عن حقيقة كثيرا ما تجاهلتها الكتابات التقليدية، والتي تتمثل في أن المجتمع لا يصمد بقوة السلاح وحدها، بل بقوة أولئك الذين يواصلون إدارة تفاصيل الحياة اليومية رغم كل الظروف. وفي مقدمة هؤلاء تأتي المرأة السودانية.
والحقيقة أن هذا الدور لم يولد مع الحرب الراهنة، بل يمتد بجذوره إلى تجارب سودانية سابقة عاشت فيها النساء ظروف النزوح والحروب والتقلبات الاقتصادية. فقد أثبتت المرأة السودانية، في أكثر من محطة تاريخية، قدرة لافتة على إعادة تنظيم الحياة الأسرية والمجتمعية في ظروف الاضطراب، الأمر الذي جعل خبرة الصمود جزءا من الذاكرة الاجتماعية المتراكمة لدى أجيال متعاقبة من النساء.
ومن منظور علم الإدارة، فإن ما تقوم به المرأة أثناء الأزمات يمثل نموذجاً عملياً لعمليات التخطيط والتنظيم واتخاذ القرار وإدارة المخاطر وإدارة الموارد تحت ظروف عدم اليقين. فهي تضع الأولويات، وتعيد توزيع الموارد، وتتعامل مع المتغيرات اليومية، وتبحث عن بدائل للمشكلات الطارئة. وهذه كلها أنشطة إدارية أساسية تمارس بصورة يومية خارج الأطر الرسمية.
في الظروف الطبيعية قد تبدو إدارة الأسرة عملاً يوميًا اعتياديًا، لكن أثناء الأزمات تتحول إلى مهمة معقدة تتطلب مهارات تنظيمية ونفسية واقتصادية عالية. فالمرأة التي كانت تدير شؤون منزلها في بيئة مستقرة، أصبحت مطالبة بإدارة حياة أسرة كاملة في ظل النزوح أو فقدان الدخل أو انقطاع الخدمات أو غياب أحد أفراد الأسرة. إن اتخاذ القرار بشأن الغذاء، والتعليم، والرعاية الصحية، وتوزيع الموارد المحدودة، والتكيف مع المتغيرات اليومية، كلها مهام إدارية حقيقية تمارسها النساء بصورة مستمرة، وإن لم تصنف رسميًا ضمن أعمال الإدارة.
ومن المفارقات أن كثيرًا من النساء قمن بهذه الأدوار دون تدريب أو تأهيل مسبق، يستندن إلى الخبرة المتراكمة والحكمة الاجتماعية والقدرة الفطرية على التكيف. في أوقات الأزمات يتراجع الحديث عن الاقتصاد الكلي لتحل محله أسئلة أكثر بساطة وأشد إلحاحا:
كيف ستوفر الأسرة طعامها اليوم؟
كيف يمكن تدبير احتياجات الأطفال؟
كيف يمكن الاستفادة من الموارد المحدودة لأطول فترة ممكنة؟
هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ(اقتصاد النجاة اليومي).
فقد طورت النساء السودانيات عبر سنوات طويلة خبرات متراكمة في إدارة الندرة، وإعادة ترتيب الأولويات، والاقتصاد في الاستهلاك، وإيجاد بدائل محلية للسلع والخدمات. ولم يكن الأمر مجرد إدارة للموارد المالية، بل إدارة للكرامة الإنسانية أيضًا، إذ تحاول المرأة في كثير من الأحيان حماية أسرتها من الشعور بالعوز والانكسار رغم الظروف الصعبة.
إن كثيرا من قصص الصمود التي شهدها السودان خلال الحرب لم تكن قصصا اقتصادية فقط، بل كانت قصصا لنساء نجحن في تحويل القليل إلى ما يكفي، والندرة إلى فرصة للاستمرار. في أوقات الخوف لا يحتاج الإنسان إلى الطعام فقط، بل يحتاج إلى الطمأنينة. وهنا تؤدي المرأة دورا بالغ الأهمية داخل الأسرة باعتبارها مصدرا للاستقرار النفسي والعاطفي.
فالأم التي تخفي قلقها حتى لا ينتقل إلى أطفالها، والزوجة التي تساند أسرتها رغم معاناتها الشخصية، والأخت أو الابنة التي تحاول الحفاظ على الروح المعنوية للعائلة، جميعهن يمارسن نوعا من الرعاية النفسية غير الرسمية. هذا الدور لا يظهر في التقارير والإحصاءات، لكنه يترك أثرا عميقا في قدرة الأسر على الصمود. فالإنسان يستطيع أن يتحمل كثيرا من المصاعب إذا شعر أنه ليس وحده.
وما تقوم به النساء في هذه الظروف لا يقتصر على الإدارة فقط، بل يرقى إلى مستوى القيادة الصامتة. فالقيادة ليست دائماً في إصدار الأوامر أو شغل المواقع الرسمية، بل قد تتجلى في القدرة على طمأنة الآخرين، واحتواء المخاوف، والمحافظة على تماسك الجماعة في لحظات القلق والانهيار. ومن هذه الزاوية تبدو المرأة السودانية قائدة يومية للحياة الاجتماعية حتى وإن لم تحمل أي صفة قيادية رسمية. من أكثر الظواهر التي تكشفها الأزمات أن جزءا كبيرا من عمل النساء يظل غير مرئي. فالطبخ، والتنظيف، والرعاية، ومتابعة الأطفال، ومساندة كبار السن، وتنظيم الحياة اليومية، كلها أعمال تستهلك وقتا وجهدا وطاقة هائلة، لكنها غالبا لا تحتسب ضمن الإنتاج الاقتصادي أو الاجتماعي. ومع ذلك، فإن المجتمع لا يستطيع الاستمرار من دونها.
لقد أثبتت الأزمات أن كثيرا من الأعمال التي توصف بأنها (بسيطة)، هي في الحقيقة أعمال أساسية لاستمرار الحياة. فالاقتصاد قد يتوقف مؤقتا، والمؤسسات قد تتعطل، لكن الأسرة تستمر بفضل هذا الجهد اليومي الصامت الذي تبذله النساء. لا يقتصر دور المرأة السودانية على أسرتها فقط، بل يمتد إلى المجتمع المحيط بها. ففي الأحياء، ومراكز الإيواء، ومعسكرات النزوح، كانت النساء من أوائل من بادروا إلى تنظيم المساعدة المتبادلة، ورعاية الأطفال، ومساندة المرضى، وإعداد الطعام للمحتاجين، وحل الخلافات الاجتماعية.
وقد ساهمت هذه الجهود في الحفاظ على قدر من التماسك الاجتماعي في وقت كانت فيه عوامل التفكك والانقسام تتزايد. إن المجتمع لا يبقى متماسكا بوجود القوانين والمؤسسات وحدها، بل بوجود شبكة من العلاقات الإنسانية اليومية التي تبقي الناس متصلين ببعضهم بعضا، وكانت المرأة السودانية أحد أهم أعمدة هذه الشبكة.
وقد برز هذا الدور بوضوح في العديد من مبادرات المطابخ الجماعية والتكايا ومجموعات الدعم المجتمعي التي انتشرت في عدد من المدن ومراكز النزوح خلال الحرب، حيث لعبت النساء دوراً محورياً في تنظيم الجهود التطوعية وتنسيق الدعم للأسر الأكثر هشاشة. كيف حافظت النساء على استمرارية الحياة؟ ربما يكون هذا السؤال هو جوهر التجربة كلها. فالنساء لم يوقفن الحرب، ولم يملكن سلطة اتخاذ القرارات السياسية الكبرى، لكنهن امتلكن شيئًا آخر لا يقل أهمية، هو القدرة على حماية الحياة من الانهيار الكامل.
لقد حافظن على الأسرة عندما تعرضت للتهديد، وعلى الأطفال عندما أحاطت بهم المخاطر، وعلى الروابط الاجتماعية عندما ضعفت، وعلى الأمل عندما بدا الواقع أكثر قسوة. إن استمرارية الحياة في السودان خلال الأزمات لم تكن نتيجة الموارد المتاحة فقط، بل نتيجة جهود يومية متواصلة قامت بها ملايين النساء في المدن والقرى ومناطق النزوح. ولهذا فإن الحديث عن المرأة السودانية في زمن الأزمات ينبغي ألا يقتصر على وصف معاناتها، رغم قسوتها، بل يجب أن يشمل الاعتراف بدورها القيادي والاجتماعي والإنساني في إدارة الحياة نفسها.
وإذا كانت الحرب قد كشفت حجم الدور الذي قامت به النساء في إدارة الحياة اليومية، فإن مرحلة ما بعد الحرب تطرح سؤالاً أكثر أهمية، كيف يمكن تحويل هذه الخبرات المتراكمة إلى جزء من عملية إعادة البناء الوطني؟ فالمرأة التي أدارت الأسرة ومجتمعها المحلي تحت أصعب الظروف تمتلك خبرة عملية ينبغي أن تجد مكانها في برامج إعادة الإعمار والتنمية وصنع السياسات الاجتماعية، لا أن تنسى بمجرد توقف الحرب.
ولعل أهم ما تكشفه تجربة المرأة السودانية أثناء الأزمات أن مفهوم القيادة نفسه يحتاج إلى إعادة تعريف. فليست القيادة دائماً في مؤسسات الدولة أو مواقع السلطة، بل قد تكون في مطبخ بسيط داخل مركز نزوح، أو في أم تعيد تنظيم حياة أسرتها كل صباح رغم الخوف والجوع وعدم اليقين. فهناك أشكال من القيادة لا تُكتب في التقارير الرسمية، لكنها تحفظ المجتمع من الانهيار، وتبقي جذوة الحياة مشتعلة في أحلك الظروف.
تكشف الأزمات دائما عن القوى الحقيقية التي يقوم عليها المجتمع. وإذا كانت الحروب تظهر من يملك القوة، فإنها تكشف أيضا من يملك القدرة على الاستمرار. وفي التجربة السودانية المعاصرة، أثبتت المرأة أنها ليست فقط ضحية للأحداث، بل شريك أساسي في مواجهة آثارها، ومديرة يومية للحياة، وحارسة للتماسك الاجتماعي، وصانعة للأمل في أصعب الظروف. ولعل أحد أهم الدروس التي تقدمها هذه التجربة هو أن بناء المستقبل لا يبدأ فقط من إعادة إعمار المدن والطرق والمؤسسات، بل يبدأ أيضا من الاعتراف بقيمة ذلك الجهد الإنساني الصامت الذي حافظ على استمرار المجتمع.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4.3 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال