
إشانة السُّمعة
إقبال صالح بانقا
وذلك هوىً سودانيٌّ بحت، لا يُجارَون فيه، ولم يسبقهم إليه شعبٌ آخر، رغم ما يُشاع عنهم من طيبةٍ ومحافظة. وربما كانت هذه النقطة نفسها سبب العِلّة وأصلها.
فتاريخ هذا الشعب ــ وبلا حرج ــ لم يزخر بالكثير الفائض مما تدوِّنه الشعوب عادةً في سجلّاتها؛ فتاريخه المدوَّن محدودٌ للأسف. نعم، كانت هناك نضالات لإخراج المستعمر، ومعارك واستبسال واستشهاد لا يُغفل، لكن أكثر ما سجّله التاريخ عنه كان الرقّ والعبودية، وقهر المرأة، وتفانيها في خدمة الرجل، من التناسل إلى أعمال الحياة كافة. كما دوّن التاريخ قصص التناحر بين القبائل، وما حفلت به من غدر وخيانات وفتن واقتتال وقيلٍ وقال.
فالشعوب الأكثر انفتاحًا وجرأةً لا تضاهيهم ــ أو تباريهم ــ في الولع بإشانة سمعة الأفراد، وكأن الأمر متعةٌ خالصة. وربما يعود ذلك لكثرة ما حمل تاريخهم من خلاف وعراك، أو لتعدد الأعراف والأجناس والأديان والقيم.
في أزمانٍ خلت، قبل أن يشيع الفساد كما يحدث اليوم، وقبل أن ينتشر الاستغلال والاستسهال والاستهبال، والتعدي على أموال الناس وأعراضهم، كانت الفاحشة ــ بطبيعة الحال ــ محدودةً، لمحدودية المجتمع نفسه؛ والفاحشة مقرونة بالفساد، بل هي مولوده غير الشرعي.
وقبل أن يشيع كل ذلك، امتاز المجتمع ــ أو ابتُلي ــ بظاهرة إشانة السمعة، وفضّ المجالس بالسير والغيبة وأكل لحوم الناس والقطيعة والنميمة. حتى كأن المجالس لا تحلو إلا بذلك.
ثم، بعد أن عمّ الفساد، وأصبح شبه عادي، وصارت الفواحش تُتداول علنًا، وانتشرت الأجهزة الناقلة للأخبار والإشاعات في يد الفقير والغني، والجاهل والمتعلم، تخصّص المجتمع ــ بجدارة ــ في الإشانات، وأصبحت أقرب إلى الأذهان والألسن من ذكر المحاسن، أو غضّ الطرف عن العورات، أو الالتزام بما نهى عنه الدين، وكل ما هو سويٌّ ومحبب للنفس السليمة.
فالقلب المريض يجد راحته في إشانة السمعة ــ والعياذ بالله ــ سواء أكان من يُساء إليه مذنبًا أم بريئًا، وغالبًا ما يكون بريئًا. ولو لم يكن الأمر عظيمًا، لما طلب القرآن أربعة شهود لإثبات الفاحشة؛ تعظيمًا للجرم وصيانةً للأعراض.
وكذلك سائر التُّهم؛ كالسرقة والاختلاس وغيرها من النقائص، فهي تحتاج إلى أدلة وشهود وقرائن وتحقيقات. لكن لا… فما إن يُذكر اسم أحد، حتى يسارع أهل الباطل والقلوب المريضة إلى تلطيخه، “عمال على بطّال”، دون خوفٍ من الله أو خشية، خاصةً إن كان صاحب عطاء، أو متميزًا بميزة، أو بينهم وبينه خلاف أو غيرة؛ فهنا مربط الفرس، وتُطلق الألسن بما تشاء.
ورغم أن الجميع بات يعي أن الحلال بيّن والحرام بيّن، وأن الأبصار لا تعمى، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، إلا أن كثيرًا من الأبرياء نالهم التشويه ظلمًا، وكثيرًا من أهل الفساد نالوا التمجيد والتكريم والتقرب؛ طلبًا للمصلحة والحظوة والتغلب.
وما نيل المطالب بالتمني، ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا.
ذلك البيت الذي كان يعني قديمًا السعي والجهد والعرق، تبدّل معناه اليوم إلى العنف والنهب والسلب، وأخذ الدنيا من أفواه الناس وعلى مرأى ومسمع من الزمان وأهله.
قد تكون متميزًا بخلق كريم، أو دين صالح، أو علم نافع، أو عطاء، أو مال، أو بنين، أو أي نعمةٍ من نعم الله وزينته في الدنيا… وهنا ستجد قومًا تخصّصوا في تبخيسك وإشانة سمعتك “لله كده”، حتى دون معرفة سابقة بك.
وذلك ابتلاء.
نسأل الله ألّا يجعلنا عبيد ابتلاء على أيدي هؤلاء، بل عبيد إحسان ورحمة؛ فذاك من أمضّ أنواع البلاء.
شغل الله أهل الباطل بأنفسهم وعللهم، فهي لا تُحصى ولا تُعد، وهذه أبغضها.
فلهم الويل كما وُعدوا، وسيرى من ظلم آيات الله وقوته وجبروته في الدنيا قبل الآخرة.

