‫الرئيسية‬ مجتمع أخبار تقارير الخدمات والأجور… احتجاجات مطلبية تكسر صمت الحرب
تقارير - سياسة - 2 يونيو 2026, 9:20

الخدمات والأجور… احتجاجات مطلبية تكسر صمت الحرب

مداميك: ندى رمضان

في وقت لا تزال فيه الحرب تلقي بظلالها الثقيلة على السودان، بدأت مؤشرات جديدة للغضب الشعبي تظهر في عدد من الولايات، عبر احتجاجات مطلبية تنادي بتحسين الخدمات الأساسية وإضرابات مهنية احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية.

ففي الولاية الشمالية خرج مواطنون في مناطق عبري والعفاض احتجاجاً على الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، بينما شهدت ولايتا الخرطوم وكسلا إضرابات للمعلمين للمطالبة بتحسين الأجور والظروف المهنية. وتأتي هذه التحركات في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة وتراجع مستمر في مستوى الخدمات العامة نتيجة تداعيات الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

ويرى مراقبون أن هذه الاحتجاجات تتجاوز المطالب الخدمية المباشرة، وتعكس حالة احتقان اجتماعي متنامية بفعل تدهور الأوضاع المعيشية واتساع الفجوة بين احتياجات المواطنين وقدرة السلطات على الاستجابة لها. كما تطرح تساؤلات حول ما إذا كانت البلاد تشهد عودة تدريجية للاحتجاجات المطلبية إلى واجهة المشهد العام، واحتمالات تطورها إلى مطالب سياسية أوسع إذا استمرت الأزمات دون حلول جذرية.

وحول احتجاجات الولاية الشمالية وإضرابات المعلمين في هذا التوقيت، قال الصحفي والمحلل السياسي عمرو شعبان لـ(مداميك) إن هذه التحركات تمثل انعكاساً مباشراً لتراكم الأزمات الاقتصادية والخدمية التي يعيشها السودان في ظل الحرب المستمرة.

وأوضح أن المواطنين لم يعودوا يحتجون فقط على نقص الخدمات أو تدني الأجور، بل على التدهور الشامل في ظروف الحياة اليومية، مشيراً إلى أن اختلاف أشكال الاحتجاج بين المناطق والفئات يرتبط بدرجات التنظيم والقدرة على التعبئة.

وأضاف أن إضرابات المعلمين في الخرطوم وكسلا تعكس أزمة أعمق تتعلق بتراجع الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور البيئة التعليمية، ما يجعل هذه التحركات جزءاً من حالة احتقان اجتماعي متصاعدة تتجاوز المطالب الفئوية الضيقة، وقد تمتد إلى مناطق وفئات أخرى.

واعتبر شعبان أن هذه التحركات تمثل مؤشراً على عودة الاحتجاجات المطلبية إلى واجهة المشهد العام، موضحاً أن المجتمعات خلال فترات الحرب تميل إلى تأجيل مطالبها المعيشية لصالح أولويات الأمن والبقاء، لكن استمرار الأزمة دون حلول يدفع القضايا الخدمية والاقتصادية إلى الصدارة، خاصة في المناطق المتأثرة بتدهور خدمات الكهرباء والمياه والتعليم والصحة.

وأشار إلى أن الأزمات الخدمية لا تعد مجرد مشكلات إدارية، بل عوامل مؤثرة في الاستقرار السياسي والاجتماعي، إذ يؤدي عجز المواطنين عن الحصول على الخدمات الأساسية إلى تراجع الثقة في مؤسسات الدولة وتصاعد مشاعر الإحباط والاحتقان. وحذر من أن استمرار هذه الأوضاع قد يفضي إلى اتساع رقعة الاحتجاجات وخلق توترات اجتماعية متزايدة.

وفي ما يتعلق بتراجع ثقة المواطنين في قدرة السلطات على معالجة الأزمات، قال إن الاحتجاج لا يعني بالضرورة انعدام الثقة الكامل، لكنه يعكس شعوراً متزايداً بعدم كفاية الاستجابة الحكومية أو بطئها، ما يدفع المواطنين إلى استخدام الاحتجاج كوسيلة للضغط من أجل إيجاد حلول عملية ومستدامة.

ورأى أن انتقال الاحتجاجات بين العاصمة والولايات يعكس اتساع نطاق التأثر بالأزمات وتحولها إلى قضية وطنية عامة، لافتاً إلى أن ما أفرزته ثورة ديسمبر من وعي وتنظيم مجتمعي أسهم في تعزيز المبادرات المطلبية بالمناطق الطرفية وانتقالها إلى المركز والعكس.

وحول إمكانية تطور المطالب الخدمية إلى مطالب سياسية أوسع، قال إن التجارب السودانية تشير إلى أن الاحتجاجات تبدأ عادة بمطالب اقتصادية أو خدمية، لكنها قد تتحول إلى مطالب سياسية عندما يشعر المواطنون بأن جذور الأزمة ترتبط بطريقة إدارة الدولة وآليات اتخاذ القرار، لتشمل لاحقاً قضايا الحريات والديمقراطية والحوكمة والمساءلة والإصلاح المؤسسي.

من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي د. حسن بشير لـ(مداميك) أن الأزمة المعيشية والخدمية الراهنة لا يمكن فصلها عن تداعيات الحرب المستمرة وتراجع أداء مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن السودان يشهد مؤشرات متزايدة على الفشل الاقتصادي والإداري والخدمي.

وقال إن الاقتصاد السوداني تحول إلى “اقتصاد بقاء” يركز على تلبية الاحتياجات الأساسية اليومية للمواطنين، وهو ما يجعل كثيراً من النظريات والمعايير الاقتصادية التقليدية غير قابلة للتطبيق في الظرف الحالي.

وأضاف أن استمرار الحرب وغياب الحكم الرشيد وآليات الحوكمة الفاعلة سيقودان إلى مزيد من التدهور الاقتصادي وتفاقم الأزمات المعيشية والخدمية، محذراً من أن مؤشرات الانهيار الحالية مرشحة للتوسع ما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية توقف النزاع وتعيد بناء مؤسسات الدولة.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *