
تبرير الحرب من منصة الاستعلاء، وأوهام د. الوليد مادبو “البروماكس النخبوي”
بقلم: محمد ضياء الدين
قبل أن يجف المداد الذي خُطّت به مخرجات إجتماعات قوى إعلان المبادئ السودانية المنعقدة في نيروبي في الثالث والعشرين من مايو الجاري، إنطلقت سهام الهجوم الضاري، لا لمناقشة المضمون أو تفنيد البنود التي ليست فوق النقد بطبيعة الحال، وإنما للتقليل من شأن القوى الداعية للسلام والمدنية، وإعادة إنتاج الحديث التقليدي عن عجزها التاريخي وعدم قدرتها على الفعل السياسي.
ما إستوقفني بالفعل في هذا السياق هو مقال الدكتور الوليد آدم مادبو، الذي انبرى بلسان “نخبوي” حاد لمحاكمة الجميع، متناسياً أن المأزق الحقيقي للنخبة السودانية يتجلى في أوضح صوره داخل البنية المعرفية والنفسية لمقاله نفسه. إننا أمام حالة نموذجية من النرجسية الفكرية والشوفينية في أكثر تجلياتها وضوحاً، تلك التي تدفع صاحبها إلى توهم إمتلاك الحقيقة المطلقة والوعي الكلي، والاعتقاد بأنه الأقدر وحده على فك شفرات الأزمة السودانية المعقدة.
يظهر هذا التعالي النخبوي مكسواً بمظهرية أكاديمية لافتة، تستدعي المصطلحات الغربية المستعارة والمفردات الأجنبية لإخفاء فجوة التناقض العميق في الخطاب، إذ يتحدث الكاتب الذي ينحدر من رحم المجتمعات التي يصفها بالمهمشة بعين إستعلائية متأثرة بمركزية غربية تشكل وعيه داخلها، ثم يحاول إسقاطها بشكل قسري على واقع سوداني لم يعايش يومياته الحقيقية، ولم يشارك بصورة فعلية في مسارات نضاله الشعبي الطويل من أجل الحرية والديمقراطية. هذا التناقض النفسي والمعرفي يقود إلى حالة من “الادعاء الفكري”، حيث تتحول لغة الاستعلاء إلى بديل عن الممارسة السياسية والنضالية على الأرض، لينتهي الأمر بالدكتور إلى أن يصبح مجرد وجه آخر لنخبة المركز التي يدّعي نقدها. فالمركز في الحالة السودانية ليس حدود جغرافية، وإنما بنية سلطوية أعادت إنتاج نفسها عبر نخب خرج كثير منها من الأطراف الاجتماعية، ثم تنكرت لجذورها بمجرد وصولها إلى منصات النفوذ والخطابة.
ويتضح هذا القصور المنهجي بصورة أكبر عندما ينتقل المقال إلى مهاجمة ما تم التوافق عليه في نيروبي، مروجاً لمنطق بائس يرى أن الحرب فرضت واقع سياسي واجتماعي جديد يجب التسليم به، وهو ما يعني عملياً شرعنة وجود الجيش والدعم السريع كقوى مهيمنة ومكونات شرعية في تشكيل مستقبل السودان السياسي بعد الحرب. إن هذا الطرح لا يعكس واقعية سياسية كما يتوهمها الدكتور بقدر ما يؤسس لاستدامة منطق القوة المسلحة بوصفها المصدر الوحيد للشرعية، ويعيد بذلك إنتاج الأزمة التي قادت البلاد إلى الحرب والانهيار.
إن أخطر ما في هذا المقال أنه يحاول ليّ عنق الحقيقة تحت غطاء ما يسمى بالعقلانية السياسية، متجاوز في ذلك حقيقة أن الشعب السوداني ثار أساساً ضد حكم العسكر وهيمنة السلاح على المجال العام. فالمقال يسقط في فخ الواقعية المفرطة التي تمنح البندقية حق صياغة الدستور وتحديد مصير شعب بأكمله، متناسياً أن مخرجات نيروبي لم تكن ورشة معزولة أو أماني طفولية كما يزعم، وإنما مثلت إختراق سياسي مهم في جدار الأزمة، عبر تقديم رؤية وطنية متكاملة للعدالة الانتقالية، وتأسيس نظام حكم مدني ديمقراطي، وتفكيك بنية التمكين، والوصول إلى جيش مهني قومي واحد يخضع لسلطة الدولة المدنية.
لقد وضعت تلك المخرجات خارطة طريق عملية لتفكيك توازنات العنف، بدلاً من التماهي معها أو شرعنتها كأمر واقع دائم، كما أنها أعادت الاعتبار للعمل السياسي المشترك المستند علي رؤية وطنية سودانية والي العمل القاعدي وسط الجماهير، ومن هنا فإن تغييب هذه الحقائق، والتبشير بمعادلة تقوم على المحاصصة والمساومة بين قادة الحرب، والدفع باتجاه تحويلهم إلى فاعلين سياسيين طبيعيين، يكشف عن أزمة عميقة في الوعي النخبوي الذي يعجز عن إدراك أن الشرعية لا تُستمد من فائض القوة العسكرية، وإنما من الإرادة الشعبية الرافضة للحرب والاستبداد معاً.
وبهذا المعنى، يتكامل هذا الهجوم في مقال الدكتور مع حرص صاحبه الدائم على إستكمال مظهره النخبوي مع النسخة الأحدث لإنتاج نخبة النخب “بروماكس نخبوي” عبر تلك الصورة الفارهة للدكتور التي تجردت بالكامل من جذورها الاجتماعية، لا بهدف إعادة تشكيل الوعي الجمعي أو الانحياز لقضايا “المهمشين” وإنما للتمترس داخل حصون النخبة المركزية ذاتها، ومهاجمة تطلعات التغيير من الموقع الاستعلائي نفسه. إنها محاولة لتثبيت سلطة البندقية وإعادة تأهيل الحرب كأداة لإنتاج السياسة، متلفحة بأناقة مظهرية ولغة لا ننكر تأثيرها الجمالي، لكنها تحاول حجب شمس الوعي المدني المتصاعد، ذلك الوعي الذي بدأ يدرك أن إنقاذ السودان لن يتحقق عبر إعادة تدوير النخب أو شرعنة أمراء الحرب، وإنما عبر تأسيس مشروع وطني ديمقراطي يستعيد السياسة من قبضة السلاح، ويعيد للدولة معناها المدني الديمقراطي الجامع.

