‫الرئيسية‬ مجتمع أخبار تقارير اخبار “العيدية”.. طقوس سودانية تقاوم قسوة الأحوال
اخبار - تقارير - 24 مايو 2026, 22:10

“العيدية”.. طقوس سودانية تقاوم قسوة الأحوال

تقرير _ رندا علي
ثمة موروث شعبي ما يزال يفرض نفسه في أعياد السودانيين، وهو ثقافة “العيدية” وهو مبلغ زهيد من المال يمنحه الكبار للأطفال لإدخال البهجة في نفوسهم، والثابت أن هذه العادة قديمة جدا في الأعياد بالسودان،  وأغلبنا قد مر بها في طفولته، رغم تبدلات الحياة وتطورات العصر الحديث.
للدقة.. لا تقتصر العيدية فقط علي الأطفال الصغار بل تشمل آخرين أقارب كانوا أو جيرانا، خاصة من كبار السن الذين باتوا غير قادرين علي الكسب، وهؤلاء يتم منحهم المال تعبيرا عن الوفاء لما قدموه سابقا، وكذلك يقدم الرجال المال لزوجاتهم تعبيرا عن الامتنان لدورها في خدمة المنزل خاصة في عيد الفطر المبارك، حيث تتولي النساء مهام اعداد كميات كبيرة من الطعام لأهل المنزل رغم الرهق ومشقة الصيام.
وكما الحال في المجتمع المحلي، تعد العيدية إرثاً ضارباً في جذور الثقافة السودانية، بل هي أحد الطقوس السائدة في الأعياد، حيث يخرج الأطفال من منازلهم عقب صلاة العيد في رحلة طواف على مساكن أهل الحي والجيران، وتقدم لهم الحلوى والمشروبات والمخبوزات التي تصنع خصيصا في عيد الفطر المبارك، فيما يمنحهم الكبار نقودا كل حسب استطاعته، وفي نهاية اليوم يكون الأطفال قد جمعوا مبلغا من المال .. هذه العادة وعلى بساطتها فهي تدخل البهجة والسرور في نفوس الأطفال وتشعرهم ببهجة العيد.
ومؤخرا مع التغيرات الاقتصادية الظاهرة وظروف الحرب وما نتج عنها من تردٍّ اقتصادي وتراجع لمستوى الدخل باتت العيدية، مهددة بالتراجع بيد أن المؤكد أنها لن تختفي فما تزال العادة موجودة رغم الضيق والغلاء.
تاريخيا.. ارتبط العيد في أذهان الصغار بالعديد من الطقوس التي ما تزال سارية حتى اليوم، رغم تبدل الحال والمآل، ومنها زيارات الجيران والملابس الجديدة والألعاب والعيديات.. كل هذه الموروثات تعد من طقوس العيد في السودان.
ورغم شيوع تعريف العيدية بوصفها عادة اجتماعية قديمة تقوم على منح الأطفال نقوداً أو هدايا أو حلوى خلال عيدي الفطر والأضحى، فإنها في الواقع تبدو أكثر تغيرا وتعقيدا وسط السودانيين الذين اثقلت الحرب والأزمات الاقتصادية، حياتهم لكنها لا تزال حاضرة بقوة في تفاصيل العيد. وفي الخرطوم، حيث تتثاقل الحياة تحت وطأة الحرب وشح الموارد، يقول أيمن، وهو مواطن سوداني مقيم بالعاصمة، إن العيدية ما تزال واحدة من العادات الراسخة المرتبطة بروح السودانيين في “التعاضد والتراحم والتواصل”، متوقعاً أن تستمر “ما بقي الزمن”. ويرى أيمن أن العيدية تغيرت من حيث القيمة لا من حيث الحضور، موضحاً أنها كانت في السابق “مبالغ تسيل لها لعاب الأطفال”، لدرجة أن معظم أفراد الأسرة كانوا يحرصون على منحها للصغار، بينما تقلصت اليوم بصورة واضحة بسبب الظروف الاقتصادية. ورغم ذلك، يؤكد أن العادة لم تختفِ حتى في أصعب الظروف، إذ مورست خلال عيد الفطر الماضي داخل الخرطوم رغم شظف العيش وغياب مصادر الدخل لدى كثير من الأسر. ويضيف أن الأطفال ما يزالون ينتظرونها بشغف عقب صلاة العيد، ويتسابقون للحصول عليها، حتى وإن أصبحت مبالغ رمزية مقارنة بما كانت عليه في “الزمن الجميل”. ويشير أيمن إلى أن الأطفال اليوم يدخلون في “مقارنات ومفاضلات” بين العيدية واحتياجات أخرى كالملابس والأحذية والحلوى، خاصة في ظل الغلاء، لكن فكرة “ما في” لا تزال غائبة عن قاموسهم، بحسب تعبيره. وفي المقابل، تبدو العيدية أكثر انتعاشاً وسط السودانيين المقيمين خارج البلاد، حيث تضيف الغربة تفاصيل جديدة على العادة القديمة. وتقول آمنة، وهي سودانية مقيمة في الشارقة، إن العيدية لا تزال “العادة الجميلة الوحيدة التي احتفظت برونقها”، بل أضيفت إليها طقوس جديدة لم تكن مألوفة بالنسبة لها قبل مغادرتها السودان. وتوضح أنها فوجئت بما يعرف بـ“توزيعات الأطفال”، وهي عبارة عن “باكيجات” صغيرة تحتوي على حلوى أو شوكولاتة أو مبالغ رمزية، يحملها الأطفال معهم إلى المسجد ويوزعونها على بقية الأطفال بعد صلاة العيد. وترى آمنة أن هذه الفكرة تمنح الأطفال شعوراً بالمشاركة والعطاء، وتخلق ذكريات مرتبطة بالعيد في وجدانهم. وتضيف أن قيمة العيدية نفسها تغيرت أيضاً، فالأطفال – بحسب قولها – لم يعودوا يرضون بالمبالغ البسيطة كما في السابق، خاصة مع ارتفاع احتياجاتهم وتكاليفها، “فكلما كان المبلغ أكبر كانت الفرحة أكبر”. أما ياسر، المقيم في أم درمان، فيرى أن العيدية “كما هي”، ولم يطرأ عليها تغيير كبير سوى اختلافها من أسرة إلى أخرى أو من منطقة لأخرى. ويقول إن الناس ما تزال تحرص على تقديمها لإدخال الفرحة إلى قلوب الأطفال وحتى الكبار أحياناً، مشيراً إلى أن بعض الأسر تمنح العيدية للأشقاء والزوجات أيضاً، وليس للأطفال فقط. ويؤكد ياسر أن العادة لم تنقطع رغم الظروف المعيشية الصعبة، وأن الأطفال ظلوا أكثر الفرحين بها خلال عيد الفطر الماضي، مضيفاً: “في مناطقنا تحديداً ما تزال موجودة حتى الآن”. وبين الخرطوم والشارقة وأم درمان، تبدو العيدية كأنها تقاوم التغيرات الاقتصادية والحرب والغربة، متمسكة بدورها القديم كنافذة صغيرة للفرح، حتى وإن تبدلت قيمتها وأشكالها عبر الزمن. هل تحتاج الى تعديلات من ناحية نحوية.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *