
زهرة السوسن : خمسون عاما من الإشراق (1)
عبدالله محمد عبدالله
في الغناء السوداني المعاصر ، وجدت الأزهار مكانها باكراً، منذ أن تغني كرومة بقصيدة عمر البنا (زهرة الروض الظليل) في الثلاثينات أو ما قبلها، فانساب الغناء الذي يحتفي بالزهور و الورود و بمن يماثلنها نضرةً و رقةً و عطراً و رونقاً. و ليس صعباً أن تستدعى الذاكرة عشرات من الشعراء و الفنانين الذين احتفوا بها في أغنياتهم الخالدة، حقيبةً كانت ام حديثةً او شعبية.
في منتصف السبعينات، عندما كان عبدالوهاب الصادق و شركاؤه في موجة الغناء الشعبي المٌستحدَث، الذين لم يكتفوا بما بُعث به محمد احمد عوض، فأضافوا الآلات المكهربة من بيز و جيتار و تركوا الكورس تحت رحمة المندولين الذي شبّهه أستاذنا جمعة جابر (بالشافع قليل الأدب)، و انتشروا مسيطرين على ليالي الأفراح بألحانهم الخفيفة و إيقاعاتهم الصاخبة، حيثما حلّوا، لا ينازعهم إلا البكاسي الذين تغنوا بكل ما بثه المذياع.
من خلال ذلك الصخب ظهر الفنان الشعبي الشاب عبدالله محمد عبدالله، الذي اشتهر بعبدالله الحاج، تمييزاً له عن الصادح عبدالله محمد الذي سبقة إلي الساحة. أطل رزيناً و موهوباً، و من بين أغنياته ذات الحظوة كانت (زهرة السوسن) ، التى احتفظت بموقعها في الغناء المودّى على مر السنين. و رغم رحيل عبدالله الحاج الفاجع ، الذي أتى باكراً جداً، قبل حلول الألفية الراهنة ، فقد تغني الكثيرون بزهرة السوسن رغم تعاقب موجات الغناء و تبدّل أساليب الأداء.
و عبدالله الحاج الذي امتاز برقة الصوت و دقة الأداء، و حسن العلاقة بالكورس وجد مكاناً ببن عمالقة تسيّدوا الساحة، بأسلوبه الخاص و حسن اختياره لكلمات أغانيه. و ما من مثال على تميُّزه يفوق زهرة السوسن ذات الموضوع المختلف و المفردات المنتقاه.
جاء لحن زهرة السوسن خفيفاً و متسقاً مع كلمات الشاعر المتفرد عبدالعال السيد. ومعبراً عما شفّت عنه القصيدة من انتظارٍ يطول و وعدٍ ممطول، مع ظلٍ من التفاؤل بأن ربيعاً سيأتي، تطل فيه زهرةُ سوسنِ يفوح عطرها البوّاح. و للسوسن الوان تعددت و عطور تمايزت.
عديدة هي تسجيلات أغنية زهرة السوسن في اليوتيوب و سواه من منصات البث، و في ذلك السياق تباينت الاجتهادات و الحظوظ. و مما هو طبيعي ان يضفي عليها كل مغن بعضاً من سمات اسلوبه الخاص، لكن غالبها الأعم تمسك بإيقاع التمتم الصاخب الذي تدعمه آلات استجدّت و سواعد تدربت على أشباع رغبة جمهور جديد.
نواصل.
______________________
الصورة: الفنان الراحل عبدالله الحاج.

