
الجوع الذي رأيته على الحدود السودانية
خلعت حذائي، ودخلت إلى كوخ في مركز عبور اللاجئين في الرنك، جنوب السودان، وجلست مع مجموعة من النساء.
كانت امرأة تبلغ من العمر 45 عامًا تدير مقهى صغيرًا للشاي في السودان. عندما داهم الجنود شارعها لجمع الناس، انتابها الذعر. وبينما كانت تغلق الباب المعدني بقوة للفرار، قطعت إصبعها. تم اقتيادها قبل أن تتمكن من الوصول إلى عائلتها.
بطريقة ما، نجت. وفي طريقها، توطدت علاقتها بامرأة أخرى؛ فوصلتا إلى الحدود كالأخوات. وفي مركز اللاجئين، التقت رفيقتها بأقاربها. وللحظة، شعرت بالراحة.
ثم أدركوا الواقع: كانوا بأمان، لكنهم كانوا جائعين.
على الحدود، يتلقى اللاجئون عادةً مساعدات غذائية تكفيهم لأسبوعين، وهي كافية بالكاد لتأمين احتياجاتهم الأساسية قبل الانتقال إلى عائلاتهم أو البحث عن عمل أو بدء حياة جديدة. لكن هذا النظام الهش ينهار. فقد أدى خفض التمويل إلى تباطؤ فرص النقل بشكل كبير، كما أدى إلى انهيار أنظمة إيصال الغذاء. لم يعد بإمكان الناس التقدم، ولا العودة، والآن، باتوا عاجزين عن إيجاد الطعام.
لم يسبق لي أن واجهت الجوع وجهاً لوجه بهذا الشكل. ليس جوعاً مجرداً، ولا مجرد إحصائيات. بل كان هذا هو اليأس الحقيقي للأمهات العاجزات عن إطعام أطفالهن. هذا ما يحدث عندما تُجبر الأنظمة الإنسانية على تقليص نطاق عملها.
أزمة يتجاهلها العالم
يُعد السودان الآن موقعاً لأكبر أزمة إنسانية في العالم، وربما أكثرها تجاهلاً.
منذ عام 2023، أجبرت الحرب الأهلية في السودان ما يقرب من 12 مليون شخص على النزوح من ديارهم، ما أدى إلى تشريد واحد من كل ثلاثة سودانيين. وقد فرّ أكثر من 1.3 مليون شخص إلى جنوب السودان وحده، حيث نزح الكثير منهم عدة مرات ويواجهون صدمات نفسية متفاقمة.
كانت النساء اللواتي قابلتهن يحملن قصصاً يكاد يكون من المستحيل كتمانها: أزواج مفقودون أو قُتلوا أمام أعينهن، نزوح متكرر، عنف جنسي، وولادة أثناء الفرار.
ومع ذلك، هنا في الولايات المتحدة، ما زلت أسمع أننا ندخل “عصر ما بعد المساعدات الإنسانية”.
لن يحدث ذلك وأنا موجود.
نعلم أن المساعدات الإنسانية فعّالة. فقد ساهمت في القضاء على الأمراض، وخفض وفيات الأطفال، وتحقيق الاستقرار في مناطق بأكملها. وهي لا تعزز التعاطف فحسب، بل تعزز الأمن العالمي والاستقرار الديمقراطي. والأهم من ذلك، أنها تُغيّر حياة الأفراد، وخاصة النساء اللواتي يحاولن إعادة بناء حياتهن من الصفر.
في جنوب السودان، التقيتُ بدينا، وهي مُعلمة تُوجه الفتيات نحو القيادة. والتقيتُ بمسعف يُجري عمليات قيصرية طارئة بعد أن أدى خفض التمويل إلى الاستغناء عن الجراحين. والتقيتُ بجاكلين، وهي مُعلمة سابقة تحولت إلى رائدة أعمال، والتي يدعم مشروعها، المدعوم من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، اللاجئين والسكان المحليين على حد سواء. والتقيتُ بأم أنجبت طفلها وحيدة في الأدغال أثناء فرارها، برفقة طفليها الصغيرين اللذين كانا ينظران إليها باستمرار. والتقيتُ بفونمي، وهي عاملة إغاثة إنسانية كرست حياتها لخدمة الآخرين.
قابلت عدداً كبيراً جداً من النساء اللواتي تعرضن للعنف الذي لا ينبغي التحدث عنه أبداً، ناهيك عن النجاة منه.
لكنني سمعت أيضاً شيئاً آخر: قصصاً عن الصمود. نساءٌ يُكوّنّ روابط مع غرباء من أجل البقاء. يحمين أطفالهن. يبنين مستقبلاً هشاً وعازماً. إلحاح وأمل، جنباً إلى جنب.
ما سيحدث بعد ذلك يعتمد علينا
عندما نشهد معاناة بهذا الحجم أو نسمع عن تخفيضات هائلة في المساعدات، يسهل علينا الشعور بالعجز. لكن الحقيقة هي أن الأنظمة موجودة بالفعل. الأمم المتحدة وشركاؤها متواجدون على أرض الواقع، على أهبة الاستعداد لتقديم دعم منقذ للحياة على نطاق واسع. ما ينقصنا هو التمويل اللازم لتفعيل هذه الأنظمة كما صُممت له. هناك أناس يبذلون قصارى جهدهم. ما ينقصهم ليس الإرادة، بل الدعم.
لقد شعرت بدافع قوي للتحرك، وأطلب منكم أن تتحركوا معي.
ادعم منظمة إنسانية تثق بها، مثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي تُعدّ ركيزة أساسية في الأزمات كهذه. خصص تبرعًا شهريًا، حسب استطاعتك. وحاسب القادة المنتخبين على تمويل المساعدات العالمية.
لأن هذه الأنظمة لا تفشل من تلقاء نفسها، بل تفشل عندما نسمح لها بذلك.
كيف يبدو الأمل
بعد تلك المحادثة المؤلمة عن الجوع، دخلتُ إلى مساحة آمنة للنساء في مركز النقل، وهو مكانٌ يُمكن فيه للناجيات من العنف أن يبدأن بالتعافي. ورغم أن تخفيضات التمويل قد أدت إلى إغلاق ثلاثة من أصل أربعة مراكز من هذا النوع، إلا أن هذا المركز بقي قائماً.
في الداخل، كانت النساء يرقصن ويطلقن الزغاريد . في السودان، الزغاريد تعبير صوتي تقليدي يُستخدم للتعبير عن الفرح العميق.
قالوا لي إنها تساعدهم على التعافي. شغّل أحدهم جهاز تسجيل صوتي. أرتني امرأة على يميني خطوات الرقص. ضحكت المرأة على يساري. ضحكت أنا أيضاً.
وفي تلك اللحظة، تغير شيء ما. كان الأمل موجوداً في تلك الغرفة، في حركتهم، في فرحهم رغم كل الصعاب.
لكن هذا الأمل هشّ، فهو لا يصمد دون دعم.
ما يقدم، مهما كان شكله، يُمكن أن يُبقي مركزاً كهذا مفتوحاً. يُمكن أن يُوفر الطعام لطفل. يُمكن أن يُعطي امرأة فرصة للبدء من جديد، وهي تعلم أن العالم لم ينسها.
راشيل لوب متطوعة مجتمعية في منظمة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين

