‫الرئيسية‬ ثقافة شعر رفقة مساءٍ مقرور
شعر - 6 مايو 2026, 15:58

رفقة مساءٍ مقرور

شعر : صلاح الزين

من على شُرفةِ هذا المساء
قربَ كومةِ ثلجٍ فضيٍّ
وكرسيٍّ فارغٍ
فارغٍ كمحارةٍ على جرفٍ يعلو الرذاذ
أجلسُ،
أجلسُ لأسامر هذا المساء المقرور
أسامِرُهُ، علّهُ يسامرني،
أتأمله
فيتأملني
كلانا نصف شيءٍ ما في هذا الليل الشتوي
يمضغنا توقٌ غامضٌ
كسيدةٍ تخاطفتها موبقاتُ العطورِ
فلم تأتِ

مساءٌ نحيلٌ بلا أرجلٍ كحربٍ تغازلُ عورتَها
وبلعابها تغسل فتنتها
لتستفيق
الشتاءُ ما يُعلِّقُهُ الرعاة على عنق القطيع
فلا تضل الشياهُ نبعَ الجبل
جرسُ الحنينِ الذي لا صوت له،
أزلٌ بلا صدىً
حبرٌ يتخثَّر فلا يبلغ شفةَ القصيد

مثلي، له عشيقةٌ من الغسق
قبوُ نبيذٍ خلفَ جدارِ المغيب
رفقةٌ من سبايا المنفى يُحدِّقنَ في مرايا الحنين
يُصلِحنَ ما بهت من وشمٍ يَلعَقُهُ هذا المساء
ويحَكُّهُ ظفرُ الغمام
يُعطِّرنَ ما تبقى من فتنةٍ بعطرِ الريح والظلال
ويعلِّقنَ أساورَ على حلمة أذنٍ
لا تسمع سوى صفير الغياب

أُشيرُ عليه، على هذا المساء المنخور كجرفٍ
على وشك الانخلاع،
أنْ يزيحَ بعضًا من رذاذٍ ويجلس
فقد أوهنت قدميه الريح وتطفُّلُ الظلام
أُلبِسُهُ عباءةً من ضوءٍ
وشالًا من وبرِ السحاب
أشعل له موقدًا من نميمة أنهكها الانتظار
وأعدُّ له كأسًا وتبغًا وغليون

فهذا المساءُ، مثلي، بلا صحاب
وكلانا مقروران كحصاةٍ وغابةٍ بلا ظلال
لكنه يضجر،
مثلي هذا المساء، يضجر
فأشعِلُ له عيدانًا من صندلِ السديم
أرشُّ الهواء بعطرٍ من هواء
أدلك ساقَيْهِ بزيتٍ من صفق النعاس
أُبدِّلُ كأسَهُ بعَرَقٍ من بلح السراب
وأترَعُ كأسَهُ حتى يفيض
أغسل قدميه بماء زمزم وبركات السماء
فيضجر

من كنانة عشيقاتي أستَلُّ له عشيقةً
شمعيٌّ شبَقُها لا يذوب
لكنّه يضجر
فأضجرُ
فهذا المساء مقرورٌ
وليلُ الشتاءِ طويلٌ، طويل.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *