‫الرئيسية‬ مقالات متى تتوقف دائرة العنف والعنف المضاد في السودان؟
مقالات - 6 مايو 2026, 13:28

متى تتوقف دائرة العنف والعنف المضاد في السودان؟

عبد المجيد قرشي

يشهد السودان منذ فترة حالة متواصلة من العنف والعنف المضاد، لم تعد تُفهم باعتبارها أحداثًا متفرقة، بل كحلقة متكررة تعيد إنتاج نفسها في كل مرحلة من مراحل الصراع. فعلى الرغم من بروز مؤشرات محدودة خلال الأشهر الماضية توحي بإمكانية عودة الحياة تدريجيًا إلى طبيعتها، خاصة في العاصمة الخرطوم، إلا أن هذا التحسن ظل هشًا ومؤقتًا، وسرعان ما تراجع مع تجدد الاشتباكات واتساع نطاق المواجهات. هذا الواقع يعكس طبيعة أزمة عميقة تتجاوز المظاهر الأمنية إلى جذور سياسية وبنيوية معقدة.
يرتبط استمرار هذه الدائرة بشكل مباشر بغياب أفق واضح لتسوية سياسية شاملة. فالصراع القائم لم يُحسم عسكريًا، وفي الوقت ذاته لم تنجح الأطراف المتنازعة في إبداء إرادة حقيقية للدخول في عملية تفاوض جادة تضع مصلحة الدولة فوق الحسابات الضيقة. في ظل هذا الفراغ السياسي، يصبح التصعيد العسكري أداة رئيسية لتحسين مواقع التفاوض، مما يدفع الأطراف الأخرى إلى الرد بالمثل، لتستمر بذلك حلقة العنف دون انقطاع.
يتعقد المشهد أكثر مع تعدد الفاعلين المسلحين وتداخل الولاءات، في ظل غياب سلطة مركزية قادرة على فرض الاستقرار وإدارة التوازنات. كما أن تشكّل ما يمكن وصفه باقتصاد الحرب يضيف بُعدًا آخر للأزمة، حيث تصبح الفوضى في بعض الحالات مصدر منفعة لقوى مستفيدة من استمرار النزاع، وهو ما يُضعف الحوافز نحو إنهائه. هذا الواقع لا يؤدي فقط إلى إطالة أمد الصراع، بل يساهم أيضًا في تفكيك مؤسسات الدولة وإضعاف قدرتها على القيام بوظائفها الأساسية.
في خضم هذه التطورات، يتحمل المدنيون العبء الأكبر من تبعات الصراع. فمع كل جولة عنف، تتدهور الأوضاع الإنسانية، وتنهار الخدمات الأساسية، ويتزايد الشعور بعدم الأمان، ما ينعكس سلبًا على النسيج الاجتماعي والاستقرار المجتمعي. إن استمرار هذا الوضع يهدد ليس فقط الحاضر، بل يضع مستقبل الدولة نفسها على المحك.
إن الإجابة على تساؤل متى تنتهي هذه الدائرة لا ترتبط بإطار زمني محدد، بقدر ما ترتبط بتغيرات جوهرية في مواقف وسلوكيات الأطراف الفاعلة. فغالبًا ما تتوقف مثل هذه الصراعات عندما تصل القوى المتنازعة إلى قناعة بأن كلفة الحرب تفوق مكاسبها، سواء نتيجة إنهاك عسكري، أو ضغط داخلي متزايد، أو تدخلات إقليمية ودولية فعّالة تدفع نحو التسوية.
يتطلب كسر دائرة العنف أكثر من مجرد اتفاقات مؤقتة لوقف إطلاق النار، إذ يستدعي مشروعًا سياسيًا متكاملًا يعالج جذور الأزمة ويعيد بناء الثقة بين الأطراف المختلفة. كما يستلزم ذلك إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية، والعمل على معالجة ظاهرة تعدد القوى المسلحة من خلال دمجها أو إعادة هيكلتها ضمن إطار وطني جامع، إلى جانب تفكيك شبكات اقتصاد الحرب التي تغذي استمرار النزاع.
في ظل المعطيات الحالية، يبدو أن البلاد تقف أمام عدة احتمالات مفتوحة، تتراوح بين استمرار حالة الاستنزاف، أو الوصول إلى تسويات جزئية قد تخفف من حدة العنف دون إنهائه، أو تحقيق اختراق سياسي حقيقي يقود إلى استقرار مستدام. غير أن تحقيق هذا المسار الأخير يتطلب إرادة سياسية صلبة، وتنازلات متبادلة، ودعمًا إقليميًا ودوليًا متسقًا.
في الختام، تبرز الحاجة إلى تبني نهج يقوم على الحكمة والتعقل في إدارة الأزمة، حيث إن ضبط النفس لا يعكس ضعفًا، بل يمثل إدراكًا عميقًا لمخاطر استمرار الصراع. إن الوصول إلى تسوية سياسية شاملة لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحة للحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة ومنع انزلاق البلاد نحو مزيد من التفكك. بدون ذلك، ستظل دائرة العنف والعنف المضاد مستمرة، وسيبقى السلام هدفًا مؤجلًا في واقع يزداد تعقيدًا يوماً بعد يوم.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *