
كيف تحولت الحرب الكارثية في السودان إلى أزمة مهملة كاشفةً عن الانتقائية الجيوسياسية وتآكل الاستجابة الإنسانية العالمية؟
بقلم – محمد علي شيحي
بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب المدمرة في السودان، تم تجاهل إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في العالم بهدوء. تُجادل هذه المقالة بأن هذا التهميش ليس صدفة، بل يعكس تحولاً أعمق نحو الانتقائية الجيوسياسية، حيث تُعطى الأزمات التي تفتقر إلى تأثير استراتيجي فوري أولوية أقل. ومع تطور العنف إلى اقتصاد حرب قائم على السيطرة على الموارد وتكتيكات التجويع، أثبتت أدوات الوساطة التقليدية عدم فعاليتها. والنتيجة هي اتساع الفجوة بين حجم المعاناة الإنسانية واستعداد النظام الدولي للاستجابة. في هذا السياق، لا يُعد السودان مجرد أزمة، بل دراسة حالة تُبين حدود النظام العالمي الراهن.
يصادف الخامس عشر من أبريل/نيسان 2026 مرور ثلاث سنوات كاملة على الصراع الدامي بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وهو صراع دموي خلّف دمارًا واسع النطاق في البلاد وأزمة إنسانية كارثية أدت إلى نزوح ما يقارب 9.3 مليون شخص داخليًا وأكثر من 4 ملايين عبر الحدود كلاجئين، هربًا من ويلات الحرب، وأسفر عن عدد لا يحصى من الضحايا المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء. وقد تسبب هذا الصراع في دمار طالت جميع جوانب الحياة. وتشمل حالات جرائم الحرب الموثقة عمليات قتل مستهدفة واغتصاب وحرق متعمد. لم يعد يُنظر إلى هذا الصراع، الذي استمر لأكثر من ألف يوم، على أنه نزاع داخلي ممتد، بل كحالة كاشفة عن تحولات أعمق في بنية النظام الدولي، حيث تتقاطع ديناميات التفكك الداخلي مع أنماط الإهمال الجيوسياسي، مما ينتج عنه نموذج معقد للصراعات ما بعد الدولة في بيئة دولية تتسم بالانتقائية وتآكل الاستجابة الجماعية.
إن وصف الأمم المتحدة للوضع بأنه أزمة مهملة لا يعكس فقط حجم الكارثة الإنسانية الخطيرة، بل يكشف أيضاً عن فجوة عميقة بين الإدراك الدولي للتهديدات والاستعداد الفعلي للتدخل، في سياق دولي تتنافس فيه الأزمات وتُعاد فيه صياغة هرمية الأولويات وفقاً لاعتبارات القوة والمصالح. ولا يعود تراجع الاهتمام الدولي الفعال إلى انخفاض قيمته، بل إلى تعقيد مصالح القوى المعنية وانشغال المجتمع الدولي بأزمات أخرى يُنظر إليها على أنها أكثر “حيوية” لأمنه المباشر.
إن الحرب في السودان تتجاوز كونها مجرد صراع بين الجيش وقوات الدعم السريع؛ فقد اتخذت شكل تفكك تدريجي للدولة وتحولها إلى اقتصاد حرب متكامل، حيث تتشابك شبكات العنف مع أنماط النهب المنظم، والسيطرة على الموارد، واستخدام التجويع كسلاح. ولا يقتصر أثر هذا النمط من الصراعات على إحداث أزمات إنسانية فحسب، بل يعيد أيضاً تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية، مما يطيل أمد الصراع ويجعل احتواءه صعباً باستخدام أدوات الوساطة التقليدية.
في هذا السياق، يبرز التباين الصارخ بين حجم الكارثة ومستوى الاستجابة الدولية. فقد أطلقت الأمم المتحدة خطة الاحتياجات الإنسانية والاستجابة للسودان لعام 2026 ، والتي تتطلب تمويلاً قدره 9 مليارات دولار لمعالجة ما وصفته بأنه أكبر أزمة على مستوى العالم. إلا أن التمويل المخصص لهذه الخطة لم يتجاوز 16% من المبلغ المطلوب، وهو ما يُعد مؤشراً ليس فقط على فتور جهود المانحين، بل يعكس أيضاً تحولاً هيكلياً في أولويات القوى الكبرى التي بدأت تُركز مواردها على النزاعات ذات الأولوية الاستراتيجية المباشرة، مثل التنافس مع القوى الصاعدة أو الحروب ذات التأثيرات المباشرة على موازين الأمن الدولي وأسواق الطاقة، كالحرب على إيران.
وهكذا، يقع السودان ضحية لما يمكن تسميته بالانتقائية الجيوسياسية في التعامل مع الأزمات. فقد أدى تعدد الأزمات الجيوسياسية وكثرة النزاعات إلى إهمال الحرب السودانية في وسائل الإعلام. كما ساهمت طبيعة النزاع بشكل كبير في عدم تسليط الضوء الكافي على مآسي هذه الحرب الوحشية. يفتقر هذا النزاع إلى البعد الأيديولوجي، ويُنظر إليه دوليًا على أنه صراع على “المال والسلطة والموارد” بين الفصائل العسكرية المتحاربة. ولا ننسى أن كثرة مبادرات الوساطة وجلسات التفاوض، إلى جانب تضارب مصالح الجهات الراعية لهذه المبادرات، قد أدت إلى فشلها، مما خلق حالة من اللامبالاة بين القوى الكبرى. وقد صعّب استهداف الصحفيين المحليين والانقطاع المتكرر للاتصالات وخدمات الإنترنت من نقل فظائع الحرب إلى العالم، محولًا إياها إلى حرب خارج نطاق التغطية الإعلامية.
علاوة على ذلك، فإن تراجع الاهتمام الدولي بالحرب في السودان لا يرتبط بتضاؤل القيمة الجيوسياسية المباشرة للسودان في حسابات القوى الكبرى، نظرًا لموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر وقربه من بؤر التوتر الإقليمية والدولية. ولكن نظرًا لأن الأزمة، على الرغم من خطورتها، لم تُترجم إلى تهديد مباشر لسلاسل الإمداد العالمية أو ممرات الطاقة، فقد تراجعت في سلم الأولويات مقارنةً بأزمات أخرى ذات تأثير أكبر على الاقتصاد العالمي. يمتلك السودان ساحلًا يمتد لأكثر من 700 كيلومتر على طول البحر الأحمر، وهو شريان حيوي يمر عبره حوالي 25% من حركة الحاويات العالمية . ويُعد السودان من أغنى دول العالم، إذ يزخر بالذهب والمعادن الاستراتيجية، مما يجعله محط أنظار القوى الإقليمية والدولية الساعية للسيطرة على هذه الموارد. يحده سبع دول أفريقية؛ لذا، فإن انهياره يُهدد استقرار منطقة القرن الأفريقي بأكملها والدول المجاورة (مثل تشاد ومصر وإثيوبيا) بسبب خطر موجات اللاجئين اللاحقة وانتشار تهريب الأسلحة.
في المقابل، أدى غياب الضغط الدولي الفعال إلى تصاعد التوترات داخل الصراع، حيث تواصل الأطراف توسيع نطاق العمليات العسكرية دون أي تكلفة سياسية دولية تُذكر. ويُلاحظ أن استخدام أدوات مثل الحصار والتجويع وتدمير البنية التحتية الزراعية لم يعد مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل تحول إلى استراتيجية منهجية لإعادة تشكيل موازين القوى على الأرض، وهو ما يفسر التدهور الحاد في الأمن الغذائي، الذي يقترب من مستويات المجاعة في بعض المناطق. عندما تُدرك الأطراف المتحاربة أن المجتمع الدولي يكتفي ببيانات القلق دون اتخاذ تدابير عقابية ملموسة، يصبح “التصعيد” الخيار الأقل تكلفة والأكثر جدوى، مما يخلق حلقة مفرغة من العنف المُستدام. لقد تجاوز الصراع مرحلة المواجهة العسكرية التقليدية إلى “حرب استنزاف شاملة”. إن تدمير البنية التحتية الزراعية ومنع وصول المساعدات ليس “أضرارًا جانبية”، بل هو محاولة لكسر قاعدة الدعم الشعبي للطرف الآخر وإجباره على الاستسلام عن طريق التجويع.
إن سهولة استخدام الحصار كأداة سياسية تعكس انهيارًا في منظومة القانون الدولي الإنساني، حيث أصبحت المجاعة وسيلة لإعادة رسم الخرائط ومناطق النفوذ بدلًا من كونها أزمة إنسانية تستدعي التدخل. والأخطر من ذلك هو أن استمرار الحرب يُنتج بيئة إقليمية هشة، ويمتد تأثيرها إلى الدول المجاورة عبر تدفقات اللاجئين وانتشار الأسلحة وتآكل الحدود، مما يُهدد بتحويل السودان إلى بؤرة عدم استقرار مزمنة في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي. ومع تراجع قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى المناطق المتضررة، وتزايد القيود اللوجستية والأمنية، تتضاءل القدرة على احتواء التداعيات تدريجيًا، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا، بما في ذلك تفكك أعمق للدولة وتحول الصراع إلى صراع متعدد الأطراف.
من منظور جيوسياسي أوسع، تعكس الأزمة السودانية تحولاً في طبيعة النظام الدولي، من نموذج يسعى، نظرياً على الأقل، إلى إدارة الأزمات الإنسانية، إلى نموذج أكثر براغماتية وانتقائية، حيث تُترك الأزمات التي لا تمس المصالح الحيوية للقوى الكبرى أو التي تقع خارج دائرة اهتمامها المباشر لتتفاقم. يثير هذا التحول تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام الإنساني الدولي وقدرته على الاستجابة للأزمات المعقدة في بيئة دولية تتسم بتزايد التنافس وتراجع التعاون. لقد انتقلنا من مرحلة “التدخل الإنساني” التي سادت في التسعينيات (رغم إخفاقاته) إلى مرحلة تجاهل الأزمات التي لا تُحدث أثراً بنيوياً. في السودان، تفتقر القوى الكبرى إلى حافز قوي للتدخل لأن الأزمة لا تُهدد أمن الطاقة العالمي بشكل مباشر كما في أزمات أخرى، ولا تُشكل تهديداً نووياً أو مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى. تُعامل الأزمة على أنها أزمة “احتواء” وليست أزمة “حل”، حيث ينصب التركيز فقط على منع تدفق اللاجئين أو وقف توسع الجماعات الإرهابية، دون معالجة الأسباب الجذرية للصراع.
في النظام الدولي الجديد، أصبح العمل الإنساني أداةً للتنافس الجيوسياسي. لم يعد هناك “إجماع أخلاقي دولي”؛ فالمساعدات والضغوط الدبلوماسية لا تُمارس إلا عندما تخدم تقليص نفوذ خصم جيوسياسي أو تعزيز نفوذ حليف، مما يترك السودان في منطقة رمادية تتضارب فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية (روسيا، الصين، الغرب، والقوى الإقليمية الصاعدة). يعاني النظام الدولي الحالي من “إرهاق نتيجة كثرة الأزمات في شتى أنحاء العالم”. ويعكس هذا التحول تراجع مفهوم “مسؤولية الحماية” الذي كان يُروج له سابقًا.
اليوم، تُستخدم السيادة الوطنية ذريعةً للتهرب من المساءلة، وتكتفي القوى الدولية ببيانات القلق، مما يُرسي نموذجًا دوليًا جديدًا تُترك فيه الدول لمواجهة مصيرها ما لم يكن لثقلها الجغرافي قيمةٌ تُثير التنافس في سوق المصالح. يُمثل السودان النسخة المُحزنة من “النظام العالمي الجديد”، حيث تُستبدل القيم الإنسانية العالمية بحسابات الربح والخسارة الجيوسياسية، مُنذرًا بمستقبلٍ تُنسى فيه الأزمات الإنسانية ما لم تُزعزع عروش القوى الكبرى. هنا، لا تكمن أهمية الأزمة السودانية في أعداد الضحايا أو مستويات الجوع غير المسبوقة فحسب، بل في دلالتها الأعمق كحالةٍ تكشف قصور النظام الدولي في التعامل مع الأزمات المُعقدة. إن استمرار تجاهل الأزمة لا يعني احتواءها، بل يُؤسس لمرحلةٍ أكثر خطورة، قد تمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد من الإطار المحلي لتؤثر على التوازنات الإقليمية الأوسع، في وقتٍ يُثبت فيه الواقع أن الإهمال قد يكون أحد أكثر أشكال الفشل الدولي تكلفةً على المدى البعيد.
نشر المقال 20 أبريل 2026 على موقع مركز ستيمسون لتعزيز الأمن الدولي
ماهو رأيك في هذا المقال ؟
Average rating 0 / 5. Total : 0
كن أول من يقيم هذا المقال
لا يفوتكم
التعارف عبر وسائل التواصل الاجتماعي .. هل يؤدي الي زواج مستقر
تقرير : رندا عبدالله أثار مقطع فيديو متداول على وسائل التواصل الاجتماعي حالة واسعة …

