
مؤتمر برلين (15 أبريل): بين استمرارية المسار وحدود التأثير
عبدالمجيد قرشى
أثار مؤتمر برلين المنعقد في 15 أبريل جدلاً واسعاً بين من اعتبره خطوة في الاتجاه الصحيح لإعادة تحريك الملف السوداني، ومن رآه مجرد زوبعة إعلامية لا تضيف جديداً لمسار ظل يدور في حلقة مفرغة. وعند وضع المؤتمر في سياق المبادرات التي سبقته، تتضح صورة أكثر توازناً: فهو ليس حدثاً معزولاً، بل حلقة جديدة في سلسلة محاولات دولية لمعالجة أزمة معقدة طال أمدها دون اختراق حقيقي.
من حيث المقاربة العامة، يتشابه مؤتمر برلين مع المؤتمرات السابقة في تركيزه على ثلاثة محاور رئيسية: وقف إطلاق النار، تسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والدفع نحو عملية سياسية شاملة. هذه الثوابت لم تتغير، ما يعكس اتفاقاً دولياً على تشخيص الأزمة، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن عجز مستمر في الانتقال من التشخيص إلى الفعل. فكما حدث في مبادرات سابقة، بدت مخرجات المؤتمر قوية في الصياغة، لكنها محدودة من حيث أدوات التنفيذ والقدرة على فرض الالتزام.
على صعيد المسار الإنساني، أعاد المؤتمر التأكيد على أهمية تخفيف معاناة المدنيين وفتح الممرات الآمنة، وهي قضايا ملحة في ظل التدهور المستمر للأوضاع. غير أن التحدي لا يكمن في إعلان الالتزامات، بل في ضمان تنفيذها وسط واقع أمني هش وتعدد في مراكز القوة. لذلك، يبقى الخوف قائماً من أن تظل هذه التعهدات حبراً على ورق، كما حدث في تجارب سابقة.
أما في الجانب السياسي، فقد سعى المؤتمر إلى إحياء مسار التفاوض، لكنه لم يقدم ما يشير إلى تحول نوعي في مواقف الأطراف المتحاربة. فالمؤشرات على الأرض لا تزال تعكس غياب إرادة حقيقية للحل، مع استمرار الرهان على الحسم العسكري أو كسب الوقت لتحسين المواقع التفاوضية. وهذا ما يجعل أي مسار سياسي، في غياب ضغط دولي فعال وتوافق إقليمي، عرضة للتعثر أو التكرار دون نتائج ملموسة.
ورغم هذه المحدوديات، يمكن القول إن المؤتمر نجح في إعادة إحياء القضية السودانية على مستوى الاهتمام الدولي، بعد فترة من التراجع النسبي لصالح أزمات عالمية أخرى. إعادة طرح الملف في محفل دولي تعني أن السودان لا يزال ضمن أولويات النقاش، وأن هناك إدراكاً متزايداً لمخاطر استمرار الحرب. إلا أن هذا الاهتمام يظل ناقصاً ما لم يُترجم إلى خطوات عملية تتجاوز البيانات إلى التأثير المباشر.
وفيما يتعلق بالمشاركة، فإن مستوى التمثيل وطبيعة الأطراف الحاضرة يلعبان دوراً محورياً في تقييم المؤتمر. فغياب بعض الفاعلين أو ضعف تمثيلهم يحد من فرص تحقيق اختراق حقيقي، ويعزز الانطباع بأن المؤتمر أقرب إلى منصة تشاورية منه إلى آلية قادرة على فرض حلول.
أما الدعوات إلى مقاطعة المؤتمر، فهي تعبير عن حالة فقدان الثقة في جدوى هذه الفعاليات الدولية، خاصة في ظل تكرار نفس المخرجات دون تغيير يُذكر. ومع ذلك، فإن المقاطعة تطرح إشكالية أخرى، إذ قد تعني الغياب عن التأثير في مسارات النقاش، وترك المجال للآخرين لتحديد الأولويات والنتائج.
في الخواتيم، لا يخرج مؤتمر برلين كثيراً عن إطار المؤتمرات التي سبقته: أعاد تسليط الضوء على الأزمة السودانية، لكنه لم يغيّر قواعد اللعبة. وبين من يراه خطوة صغيرة في مسار طويل، ومن يعتبره ضجة بلا أثر، يبقى الحكم الحقيقي مرهوناً بما ستكشفه التطورات على الأرض. فالحل لا تصنعه المؤتمرات وحدها، بل يتطلب أولاً وقبل كل شيء إرادة حقيقية من أطراف الصراع، مدعومة بضغط دولي قادر على تحويل التعهدات إلى واقع.

