
ما بين انتفاضة مارس–أبريل والحرب الراهنة: قراءة في جذور التعقيد
عمار الباقر
تمرّ علينا اليوم الذكرى الحادية والأربعون لانتفاضة مارس/أبريل، ولا تزال قضايا الانتفاضة تراوح مكانها، دون أن يتم التصدي لها بالقدر الذي يحولها إلى واقع ملموس على الأرض.
إن مرور واحد وأربعين عاماً على قضايا الانتفاضة، والتي هي في جوهرها قضايا تنمية وتحول مدني ديمقراطي، يشير إلى مدى العجز الذي تعاني منه الطبقة السياسية السودانية وغياب الإحساس بالوقت لديها. فواحد وأربعون عاماً كانت أكثر من كافية لوضع البلاد على طريق التنمية المستدامة وبناء نظام حكم وطني ديمقراطي يعبر عن مصالح الجميع. إلا أنه، وبدلاً من ذلك، نجد أن التدهور قد بلغ حداً جعل الأوضاع في العام 1985م بمثابة عصر ذهبي مقارنة بما هي عليه اليوم.
لن يُجدي التحسر على ما مضى ولا على الزمن الذي ضاع من عمر شعبنا وبلادنا، بل المطلوب هو وقف هذا التدهور بأسرع ما يمكن، والعمل على انتشال البلاد من الوهدة التي ترزح فيها. ولكن من الصعب تحقيق ذلك في ظل التعقيد وتشابك القضايا الحالي، مما جعل ما كان ممكناً وسهل التحقيق في العام 1985م أمراً في غاية الصعوبة اليوم.
وللتعامل مع كل هذه التعقيدات، ينبغي علينا التمييز بين ما هو أساسي وما هو ثانوي، أو بلغة أخرى التفريق بين أمهات القضايا وما هو فرعي منها، ثم البدء بأمهات القضايا وإدارة الحوار حولها بما يمهد الطريق لوضع الحلول للقضايا الفرعية. فمن أين نبدأ؟
في البدء، لا بد من التأكيد على حقيقة أنه ليس ثمة حل عسكري لهذه الأزمة، ومن يديرون هذه الحرب على ضفتيها هم أدرى الناس بهذه الحقيقة. وجلّ ما يطمحون إليه من هذه الحرب، في الحقيقة، هو فرض وضع ميداني عسكري متقدم يضمن لهم الحصول على مقعد مريح في أي تسوية قادمة. ولأن كلا الطرفين مدركان تمام الإدراك لهذه الحقيقة، فمن المستحيل قبولهما معاً بالجلوس إلى طاولة مفاوضات واحدة طالما ظلوا يربطون بين جلوسهم للتفاوض ووضعهم العسكري. وبالتالي لا بد من تغيير هذه المعادلة بحيث لا يصبح الموقف الميداني قضية حاسمة في مسألة الجلوس للتفاوض والتوصل إلى اتفاق. وينطبق نفس الوضع على القوى السياسية المدنية، فالخريطة السياسية في السودان اليوم تنقسم إلى مجموعتين سياسيتين رئيسيتين هما: المجموعات السياسية التي تحمل السلاح، والمجموعات السياسية المدنية.
والتوصل إلى اتفاق يضمن حلاً مستداماً للأزمة السودانية ينبغي أن ينبني على حقيقة أنه ليس ثمة حل عسكري لها، وأن الأزمة السودانية لن تُحل بصورة مستدامة دون جلوس كلتا المجموعتين إلى طاولة حوار واحدة وعادلة.
أيضاً لا بد من التأكيد على أن أي اتفاق مستدام لن يتحقق ما لم تمتنع القوى السياسية المسلحة عن ابتزاز القوى السياسية المدنية بهذا السلاح. وذلك يحدث فقط حينما تقتنع جميع الأطراف بمبدأ حل جميع الميليشيات المسلحة التابعة لها، والتحول إلى العمل المدني السلمي، في مقابل أن تلتزم القوى المدنية بتوفير الضمانات التي تراها القوى السياسية الحاملة للسلاح ضرورية لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، فلا تضطر إلى العودة إلى البندقية التي أثبتت عدم جدواها تماماً عبر تاريخ الدولة السودانية. كذلك تلتزم القوى السياسية بشقيها المدني والمسلح بقيادة حملة وطنية لإدماج جميع عناصر الميليشيات في الحياة المدنية عبر مشروعات تنموية ترعاها الدولة وتشرف عليها المجتمعات المحلية في مناطق النزاعات المسلحة. وتلك مبادئ ينبغي الاتفاق عليها قبل الجلوس لأي عملية تفاوضية.
أيضاً، جميعنا يعلم أن السواد الأعظم من القوى السياسية السودانية، بشقيها المسلح والمدني، يعتمد في تعزيز نفوذه السياسي وتمويل أنشطته على موردين رئيسيين هما: جهاز الدولة، وشبكات مصالح إقليمية ودولية تعمل على تمويل هذه المجموعات عبر منظمات غير حكومية. وتلك حقيقة ينبغي علينا جميعاً الاعتراف بها كتحدٍ كبير يتطلب التفكير في إيجاد حلول عملية له. كما أنه من السذاجة بمكان الاعتقاد بتخلي هذه القوى عن هذه المصادر التي تمثل شريان الحياة لها بين ليلة وضحاها، دون بدائل مشروعة وعادلة تضمن لها استمرارها على قيد الحياة السياسية. ولكن يمكن الاتفاق على استبعاد مصالح تلك الشبكات عند الجلوس إلى مائدة المفاوضات إلى حين التوصل إلى اتفاق قادر على انتشال البلاد ووضعها على طريق التنمية المستدامة والتحول الديمقراطي. ومن ثم تنظر جميع القوى السياسية مجتمعة في هذه المصالح والاتفاقات التي أبرمتها مختلف المجموعات السياسية بشقيها المدني والعسكري، والتعامل معها بالطريقة التي تحفظ سيادة واستقلال القرار الوطني السوداني، وتحمي وتحافظ على وضعية كل المجموعات السياسية في السودان باعتبارها قوى وطنية تعمل في إطار الدولة والقانون داخل ملعب سياسي نظيف.
تلك هي أمهات القضايا ورؤية للتعامل معها، على أن تشكل هذه الرؤية مدخلاً للتعامل مع باقي القضايا الأخرى، والتي إن تم الاتفاق على المبادئ الواردة في هذا المقال وخلصت النوايا، لن يتعذر على شعبنا وقواه السياسية التوصل إلى حلول مستدامة تضمن لبلادنا الاستقرار والتنمية والتحول المدني الديمقراطي.

