
السودان بين الانهيار و التماسك: اين تقف مصر؟
مهدي داود الخليفة
في لحظةٍ إقليمية ودولية شديدة الحساسية، يقف السودان على حافة انهيارٍ شامل، بينما تتجه البيئة الدولية—وعلى رأسها الولايات المتحدة—نحو مقاربات أكثر تشدداً في إدارة النزاعات التي تطول دون أفق سياسي. وفي هذا السياق، لم يعد الدور المصري مجرد خيارٍ دبلوماسي، بل ضرورة استراتيجية لكبح انزلاق الأزمة السودانية نحو تدويلٍ قسري قد تكون كلفته باهظة على السودان والمنطقة معاً.
إن استمرار القيادة العسكرية في السودان، وعلى رأسها الفريق عبد الفتاح البرهان، في تجاهل مبادرات السلام، سواء الإقليمية أو الدولية، لا يُقرأ في العواصم الكبرى باعتباره تمسكاً بالسيادة، بل يُفسَّر كتعطيلٍ متعمد لمسار التسوية. وفي ظل إدارة أمريكية تميل إلى الحسم في النزاعات الممتدة، كما ظهر في مقارباتها تجاه أزمات مثل فنزويلا وإيران، فإن هذا السلوك السوداني قد يدفع واشنطون إلى الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة الضغط القسري.
هذا التحول قد يتخذ أشكالاً متعددة، تبدأ بتصعيد العقوبات، وتمتد إلى استصدار قرارات من مجلس الأمن تحت الفصل السابع، بما يفتح الباب أمام تدخلات دولية مباشرة أو غير مباشرة. وهنا تكمن الخطورة: فكلما طال أمد الحرب دون أفق، زادت قابلية الملف السوداني للانتقال من الإطار الإقليمي إلى ساحة الصراع الدولي المفتوح.
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الفصل السابع كاحتمال نظري بعيد، بل كتجربة سودانية سابقة تحمل دلالات عميقة. فقد خضع السودان بالفعل لإجراءات تحت هذا الفصل خلال أزمة دارفور، حين أصدر مجلس الأمن قرارات حاسمة مثل القرار 1593 الذي أحال الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، والقرار 1769 الذي أتاح نشر بعثة مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي (يوناميد) بصلاحيات واسعة شملت استخدام القوة لحماية المدنيين.
وتؤكد هذه السابقة أن المجتمع الدولي، عندما يصل إلى قناعة بأن الدولة غير قادرة أو غير راغبة في حماية مواطنيها، لا يتردد في تجاوز الاعتبارات التقليدية للسيادة وفرض ترتيبات ملزمة. كما أن الدور الأمريكي كان محورياً في الدفع نحو تلك القرارات، وهو ما يعزز فرضية أن واشنطن قد تعود إلى استخدام الأدوات ذاتها ولكن بصيغ أكثر تشدداً إذا استمر الانسداد الحالي.
إن كلفة هذا المسار لا تقتصر على التدخل العسكري أو الإنساني، بل تمتد إلى فرض وقائع سياسية جديدة على الأرض قد لا تعكس الإرادة الوطنية، بل توازنات القوى الدولية. ومن هنا، فإن أخطر ما في استمرار الحرب ليس فقط الدمار الداخلي، بل خلق الشروط التي قد تعيد إنتاج سيناريو دارفور على نطاق أوسع وأكثر تعقيداً.
إن الرهان على “الحسم العسكري” في سياقٍ معقد كالسودان ليس فقط وهماً استراتيجياً، بل مغامرة قد تُفضي إلى نتائج عكسية. فإطالة أمد الحرب تعني استنزافاً متواصلاً لقدرات الجيش السوداني، في ظل غياب خطوط إمداد مستقرة، وتآكل الموارد الاقتصادية، وتراجع الحاضنة الاجتماعية.
الأخطر من ذلك هو التحول النوعي في طبيعة القوى المشاركة في القتال، حيث برزت الكتائب الإسلامية كفاعل ميداني موازٍ للمؤسسة العسكرية، بل إن بعض قادتها باتوا يتحدثون علناً عن امتلاك قدرات نوعية مثل الطائرات المسيّرة—بما يعكس انتقالاً خطيراً نحو تعدد مراكز القوة المسلحة داخل معسكر واحد.
هذا التداخل لا يهدد فقط وحدة القرار العسكري، بل يفتح الباب أمام سيناريوهات تفلت أمني لاحق، حتى في حال تحقيق “نصر عسكري” شكلي.
في المقابل، فإن أي تصور يقضي بإمكانية “القضاء الكامل” على قوات الدعم السريع يتجاهل طبيعة هذه القوة وتركيبتها الاجتماعية والمناطقية. فحتى في حال هزيمتها عسكرياً، فإن عناصرها لن تختفي، بل ستتحول في ظل غياب مشروع وطني جامع إلى شبكات مسلحة تمارس و تعيد إنتاج العنف في شكل حرب عصابات ممتدة.
وبذلك، فإن السودان سيكون أمام معادلة أكثر تعقيداً: نهاية الحرب لا تعني السلام، بل قد تعني بداية فوضى أمنية مزمنة.
إطالة أمد الحرب، دون رؤية سياسية واضحة، لا تستنزف فقط الموارد، بل تُنتج بيئة خصبة لظهور “مغامرين عسكريين” قد يسعون إلى تغيير موازين السلطة عبر انقلابات أو تحركات غير محسوبة، بما يعقّد المشهد أكثر ويدفع البلاد نحو مزيد من التفكك المؤسسي.
كما أن استمرار الأزمة الإنسانية من نزوح وجوع وانهيار للخدمات يُفقد أي سلطة قائمة ما تبقى لها من شرعية، ويُعزز من مبررات التدخل الدولي تحت عناوين إنسانية.
في ظل هذا المشهد المعقد، تبرز مصر كفاعلٍ إقليمي وحيد يمتلك القدرة إن أحسن توظيفها على “عقلنة” التوجهات الدولية، خصوصاً الأمريكية. فالقاهرة لا تملك فقط قنوات اتصال مباشرة مع القيادة العسكرية السودانية و القوي السياسية السودانية، بل تتمتع أيضاً بعلاقات استراتيجية مع واشنطن، تؤهلها للعب دور الوسيط الضامن، لا الطرف المنحاز.
إن أهمية الدور المصري لا تنبع فقط من الجغرافيا أو التاريخ، بل من القدرة على تحقيق توازن دقيق بين:
• منع الانهيار الكامل للدولة السودانية
• كبح الاندفاع نحو حلول دولية متشددة
• دفع الأطراف السودانية نحو تسوية سياسية واقعية
لكي تضطلع مصر بهذا الدور، لا بد من انتقال نوعي في مقاربتها للملف السوداني، يقوم على عدة مرتكزات:
ممارسة ضغط حقيقي على القيادة السودانية
ليس بهدف إضعافها، بل لدفعها إلى إدراك أن استمرار التعنت سيقود إلى فقدان السيطرة لصالح قوى دولية.
لعب دور الوسيط مع واشنطن
عبر تقديم رؤية بديلة تُجنب السودان سيناريوهات الفصل السابع، مقابل التزامات سودانية واضحة بوقف إطلاق النار والانخراط في عملية سياسية.
احتواء الفاعلين غير النظاميين
من خلال الضغط لدمج أو تحييد الكتائب المسلحة خارج إطار الدولة، ومنع تحولها إلى قوة موازية دائمة.
دعم مسار سياسي شامل يقود إلى حكم مدني ديمقراطي
وهنا تكمن الإضافة الجوهرية: إذ لا يمكن لأي مبادرة مصرية أن تحقق استدامتها ما لم تُؤسَّس على هدفٍ واضح يتمثل في إقامة نظام مدني ديمقراطي حقيقي، تكون فيه المؤسسة العسكرية خاضعة للسلطة المدنية، لا شريكاً موازياً لها.
إن نجاح مصر لا يُقاس فقط بوقف الحرب، بل بقدرتها على المساهمة في إعادة بناء الدولة السودانية على أسس حديثة، تُنهي الحلقة المفرغة من الانقلابات العسكرية، وتؤسس لعقدٍ اجتماعي جديد يعيد الشرعية إلى الشعب.
بناء إطار إقليمي منسق
بالتعاون مع شركاء مثل السعودية والإمارات والاتحاد الإفريقي، لتشكيل مظلة دعم حقيقية لأي تسوية.
إن السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق خطير:
إما الانزلاق نحو تدويلٍ قسري وصراعٍ مفتوح،
أو الانخراط في تسوية سياسية تُنقذ ما تبقى من الدولة وتؤسس لمرحلة جديدة.
وفي قلب هذا الخيار، تقف مصر لا كطرفٍ عابر، بل كفاعلٍ قادر على إعادة تشكيل المستقبل السوداني، ليس فقط عبر إيقاف الحرب، بل عبر رعاية انتقالٍ تاريخي نحو حكمٍ مدني ديمقراطي مستقر.
إن عقلنة التشدد الأمريكي لا تعني معارضته، بل توجيهه نحو مسارٍ يخدم الاستقرار، لا الانفجار.
وهذا تحديداً ما يمكن ويجب أن تقوم به القاهرة: أن تمنع الانهيار، وأن تفتح الطريق أمام ميلاد دولة سودانية جديدة، تُحكم بإرادة شعبها، وتخضع فيها القوة لسلطة القانون.

