‫الرئيسية‬ مجتمع أخبار تقارير دقيق فاسد في زمن الحرب.. انهيار الإدارة وتسييس الإغاثة في السودان
تقارير - سياسة - 4 أبريل 2026, 9:42

دقيق فاسد في زمن الحرب.. انهيار الإدارة وتسييس الإغاثة في السودان

مداميك: ندى رمضان

لم تعد المساعدات الإنسانية في السودان تعكس فقط حجم الكارثة، بل باتت تكشف عن طبيعة الحرب نفسها، ولم تعد واقعة ضبط آلاف الأطنان من الدقيق والعدس منتهية الصلاحية داخل مخازن المنظمات المحلية والدولية حادثة إدارية عابرة، بل تحولت إلى أزمة سلطة وإدارة، يتقاطع فيها الفشل الإنساني مع العجز السياسي، ويتحوّل فيها الغذاء من وسيلة إنقاذ حياة إلى ضحية جديدة للصراع.

وفي بلد تمزقه الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ ثلاثة سنوات، تبدو هذه الواقعة دليلاً إضافياً على أن الأزمة لم تعد محصورة في ميادين القتال، بل امتدت إلى مؤسسات الحكم نفسها.

تفاصيل محزنة:

كشفت مفوضية العون الإنساني بالولاية الشمالية عن ضبط (48.800) جوال دقيق (زنة 25 كجم) وكميات كبيرة من العدس جميعها منتهية الصلاحية منذ أكتوبر 2024، داخل مخازن قرب مطار دنقلا.

وفي واقعة موازية، ضبطت السلطات المحلية في مدينة أدري شرق تشاد، الخميس الماضي، كميات كبيرة من المواد الغذائية الفاسدة داخل مركز توزيع تابع لبرنامج الغذاء العالمي، تشرف عليه منظمة “آكتيت”، والمخصص للاجئين السودانيين.

ويرى مراقبون أن تكرار هذه الحوادث في أكثر من موقع لا يمكن فصله عن طبيعة الحرب المستمرة منذ اندلاع الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، وما أفرزته من فراغ إداري وانهيار مؤسسي.

غياب المسؤولية:

يقول الباحث في شؤون الحروب و النزاعات محمد البشير لـ(مداميك) ان الحرب لا تدمّر فقط البنية التحتية، بل تفكك مؤسسات الدولة. واعتبر ما حدث نتيجة مباشرة لغياب الدولة الفاعلة، حيث تضيع المسؤوليات بين أطراف الصراع.” وتابع في هذا السياق، تصبح: المخازن بلا رقابة فعالة، والمساعدات بلا مسار واضح، والمواطن بلا حماية وسلطة بلا مساءلة: من يحاسب من؟ في ظل عدم وجود سلطة قادرة على المحاسبة.

ويؤكد محمد البشير ان “المشكلة ليست فقط في برنامج الغذاء العالمي، بل في غياب دولة قادرة على فرض قواعد العمل ومحاسبة المقصرين. عندما تغيب المساءلة، يصبح الإهمال هو القاعدة”.

الإغاثة في قبضة السياسة

ونبه أن العمل الإنساني في السودان لم يعد يتحرك في بيئة محايدة، بل أصبح جزءاً من المشهد السياسي المعقّد، وأوضح ان العمليات العسكرية تعيق وصول المساعدات الإنسانية وتتدخل أطراف النزاع في مسارات التوزيع، واصبحت الإغاثة تُستخدم كورقة نفوذ. وتابع في بعض الحالات، لا تُعطى الأولوية للاحتياج، بل للاعتبارات الأمنية والسياسية، ما يؤدي إلى تعطيل التوزيع وتراكم المخزون حتى فساده. ورغم غياب الاتهامات الرسمية فإن حجم الكميات ومدة بقائها يفتحان الباب أمام تساؤلات عديدة: هل تم تعطيل التوزيع لأسباب أمنية. هل تدخلت حسابات سياسية في توجيه الإغاثة.. أم أن الأمر يعكس ببساطة انهيار الإدارة العامة؟.

من جانبها تقول الناشطة والمدافعة عن حقوق الانسان سلمى إدريس لـ(مدلميك) ان “هذه ليست فقط فضيحة إغاثية، بل فضيحة حكومة وعندما تفشل السلطة في إيصال الغذاء، فهي تفشل في أبسط وظائفها، واكدت ان الحرب في السودان لا تقتل فقط بالرصاص، بل بالإهمال. وعدت ماح دث شكل من أشكال العنف غير المباشر بشرق تشاد واشلرت لتفاقم الازمة الإنسانية ما يعكس أوضاع اللاجئين السودانيين في شرق تشاد امتداد الأزمة خارج الحدود، حيث يعاني اللاجئون من نقص حاد في الغذاء والحصة الشهرية لأسرة مكونة من خمسة أفراد تكفي لـ10 أيام فقط.

كما يعيش اللاجئون حالة من الهلع بسبب انتشار مرض السحائي، الذي تسبب في وفيات وسط اللاجئين والمجتمع المحلي، في ظل غياب حملات التطعيم حتى الآن.

وفي منتصف مارس الماضي كشفت سلمى عن، توقف منظمة أطباء بلا حدود الإسبانية جزءاً كبيراً من أنشطتها في معسكر أدري، مكتفية باستقبال الأطفال دون سن 14 عاماً، وسط غياب خدمات طبية للفئات الأكبر سناً، خاصة مرضى الأمراض المزمنة. هذا الوضع ينذر بكارثة صحية وشيكة، في حال عدم التدخل العاجل.

اتهامات: فساد:

وفي السياق نقلت متابعات صحفية عن مسؤول حكومي دعوته للمنظمات، خاصة برنامج الغذاء العالمي، إلى ضرورة مراجعة صلاحية الأغذية قبل توزيعها، وحذر من مخاطرها على صحة المستفيدين، واكد أن الرقابة لن تتهاون مستقبلاً.

وبالمقابل، قال أحد القيادات المجتمعية فضل حجب اسمه إن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها توزيع مواد منتهية الصلاحية، واشار إلى وجود تلاعب من بعض الموردين، وتساهل من بعض المنظمات في استلام مواد غير مطابقة للمواصفات.

تداعيات سياسية

لا تقف تداعيات القضية عند الجانب الإنساني، بل تمتد إلى اضعاف شرعية السلطة وكشف صورة العجز الحكومي بجانب زيادة الضغوط على المنظمات الدولية المطالبة بمراجعة آليات العمل وفتح تحقيقات في شبهات فساد وسوء الإدارة. كما تكشف هذه الحوادث أن الحرب في السودان لم تكتف بتدمير المدن والبنية التحتية، بل طالت الدولة وفشلت افي الادارة والمساءلة، وحماية مواطنيها.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *