المنتصر أحمد
‫الرئيسية‬ مقالات السودان بين وهم التغيير وأزمة الهيمنة.. لماذا فشلت ثوراته حتى الآن في بناء الدولة؟ (4 -8)
مقالات - 6 أبريل 2026, 19:22

السودان بين وهم التغيير وأزمة الهيمنة.. لماذا فشلت ثوراته حتى الآن في بناء الدولة؟ (4 -8)

من الثورة إلى الهيمنة المضادة: نحو إعادة تعريف مشروع التغيير

بقلم: المنتصر أحمد
الهيمنة كما أسلفت هي قدرة طبقة أو تحالف اجتماعي على قيادة المجتمع ليس فقط عبر السيطرة السياسية أو أدوات القسر بل عبر إقناع الفئات الأخرى بأن مصالحها الخاصة تمثل المصلحة العامة للمجتمع ككل.
بهذا المعنى لا تُختزل الهيمنة في الدولة بل تتجاوزها إلى المجال الاجتماعي الأوسع حيث تُنتج وتُعاد إنتاج القيم والمعاني فهي عند غرامشي قبل كل شيء:
قيادة فكرية وأخلاقية
بناء قبول اجتماعي واسع
تحويل المصالح الخاصة إلى “حسّ مشترك” عام
ولذلك، لا تُبنى الهيمنة عبر أجهزة الدولة فقط، بل عبر شبكة معقدة من المؤسسات والممارسات، تشمل:
التعليم
الإعلام
الدين
الثقافة
التنظيمات القاعدية
في السودان تكشف التجربة التاريخية عن غياب هيمنة مستقرة لأي فاعل اجتماعي فالأنظمة الحاكمة اعتمدت في الغالب على القسر والعنف لا على بناء توافق اجتماعي حقيقي بينما اعتمدت قوى المعارضة على الشعارات والتعبئة الظرفية دون أن تنجح في بناء قاعدة اجتماعية مؤسسية قادرة على الاستمرار.
هذا ما يفسر لماذا تظل لحظة الثورة قوية بينما تظل لحظة ما بعدها فارغة

بالنظر إلى سياق من “حرب المناورة” إلى “حرب المواقع” يميز غرامشي بين نمطين من الصراع:
حرب المناورة او الحركة : وهي المواجهة المباشرة مع السلطة كما في الانتفاضات والثورات
حرب المواقع او الخنادق وهي : الصراع الطويل داخل المجتمع لبناء النفوذ والتأثير
الثورات في السودان ركزت تاريخياً على “حرب المناورة” إسقاط النظام عبر الشارع لكنها لم تستثمر بما يكفي في “حرب المواقع” أي بناء القوة داخل النسيج الاجتماعي نفسه.
هذا البناء لا يتم بشكل مجرد بل عبر مؤسسات ملموسة مثل:
النقابات
لجان الأحياء
المؤسسات التعليمية
وسائل الإعلام
لكن الأهم من ذلك كله داخل مواقع الإنتاج نفسها حيث تتشكل العلاقات الاجتماعية الحقيقية وحيث يمكن إعادة تنظيمها على أسس جديدة.

بالانتقال إلى مفهوم التحالفات الفوقية إلى الكتلة التاريخية يبرز تمييز حاسم آخر وهو الفرق بين “التحالف المرحلي” و”الكتلة التاريخية”.
التحالف المرحلي: هو اتفاق فوقي بين نخب سياسية غالباً ما يكون مؤقتاً وهشاً مبنيا على حد ادنى ومفصولاً عن القاعدة الاجتماعية
الكتلة التاريخية: هي تحالف اجتماعي ثقافي اقتصادي عميق وراسخ يربط بين البنية المادية (الإنتاج) والبنية الفوقية (الثقافة، السياسة، الوعي)
في السودان ظلت معظم محاولات التغيير أسيرة نموذج التحالفات المرحلية اتفاقات بين قوى سياسية لا تمتلك قاعدة إنتاجية أو اجتماعية متماسكة او كافية لذلك سرعان ما تنهار هذه التحالفات عند أول اختبار حقيقي.
في المقابل يتطلب بناء هيمنة مضادة تشكيل “كتلة تاريخية” جديدة لا تقوم على النخب وحدها بل على الفئات الاجتماعية المرتبطة بالإنتاج والحياة اليومية مثل:
العمال
المزارعين
الرعاة
العاملين في الاقتصاد غير المنظم
النساء خاصة في الأطراف
الشباب لا سيما في الهوامش الحضرية والريفية
هذه الفئات ليست مجرد “قواعد” اجتماعية بل هي الحامل الفعلي لأي مشروع تغييري لأنها تمثل الموقع الذي يمكن من خلاله إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع في آن واحد.
ان بناء الهيمنة المضادة في الحقيقة مشروع طويل و ليس حدثاً سياسياً سريعاً بل عملية تاريخية طويلة تتطلب:
إعادة تنظيم قوى الإنتاج
بناء مؤسسات مستقلة عن الدولة الريعية
إنتاج خطاب ثقافي جديد يعكس مصالح الفئات المهمشة
وتطوير أشكال ديمقراطية قاعدية تتجاوز الشكل الليبرالي الشكلي
وهذا يعني أن التغيير الحقيقي لا يبدأ من القمة، بل من القاعدة. لا من الدولة فقط بل من المجتمع.

مع التسليم بان الانتقال من الثورة إلى التغيير الحقيقي يمر عبر التحول من منطق “إسقاط السلطة” إلى منطق “بناء الهيمنة”.
بدون ذلك تظل كل ثورة معرضة لأن تتحول إلى لحظة عابرة في تاريخ بنية ثابتة
أما مع بناء هيمنة مضادة فإن الثورة تتحول من حدث إلى مسار ومن انفجار إلى مشروع تاريخي قادر على إعادة تشكيل الدولة والمجتمع معاً.

 

 

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *