
السودان بين وهم التغيير وأزمة الهيمنة.. لماذا فشلت ثوراته حتى الآن في بناء الدولة؟ (3-8)
الثورات في السودان من لحظة الانفجار إلى مأزق البناء
بقلم: المنتصر أحمد
إذا كانت الأزمة في السودان أزمة بنيوية عميقة كما يظهر من تحليل طبيعة الدولة والتراكم فإن فشل الثورات لا يبدو حدثاً عرضياً أو نتيجة أخطاء تكتيكية بل نتيجة منطقية لمسار تاريخي محدد.
الثورات في السودان تنجح دائماً في لحظة الانفجار لأنها تعبّر عن تراكم حقيقي للغضب الاجتماعي والتناقضات البنيوية. لكنها تفشل في لحظة البناء لأنها لا تمس الأسس التي تنتج الأزمة نفسها.
فهي:
لا تعيد تشكيل بنية التراكم
لا تعيد تنظيم الاقتصاد على أسس إنتاجية
لا تبني كتلة اجتماعية قادرة على فرض مشروع بديل
بمعنى آخر تسقط الثورات “رأس النظام” لكنها تترك “جسمه” سليماً فيُعاد إنتاجه بأشكال جديدة.
غير أن هذا التفسير رغم دقته يظل ناقصاً ما لم ننتقل إلى سؤال أكثر عمقاً:
لماذا يتكرر هذا النمط؟ لماذا يبدو الفشل شبه حتمي؟
هنا يصبح من الضروري الربط بين فشل الثورات وفشل الرهان التاريخي على ما سُمّي بـ”الرأسمالية الوطنية”.
من فشل الفاعل إلى استحالة وجوده
التجربة السودانية تُظهر بوضوح أن الفئات الرأسمالية المحلية:
لم تقُد مشروعاً وطنياً
لم تطوّر قوى الإنتاج
لم تواجه التبعية بل أعادت إنتاجها
تحالفت مع الدولة السلطوية بدلاً من بناء مشروع ديمقراطي
لكن السؤال الحاسم ليس: لماذا فشلت هذه الفئات؟
بل: هل كان بإمكانها أن تنجح أصلاً؟
هنا يقدم مهدي عامل مفتاحاً نظرياً حاسماً:
البرجوازية في المجتمعات التابعة لا تفشل لأنها خانت دورها التاريخي بل لأنها لم تكن تملكه من الأساس.
فهي طبقة تتشكل داخل بنية التبعية لا خارجها تراكمها يعتمد على الوساطة والسمسرة لا على الإنتاج وهي مرتبطة بالسوق العالمي أكثر من ارتباطها بالسوق القومي او الوطني سمه ما تشاء وتحتاج إلى دولة سلطوية لضمان شروط تراكمها.
بهذا المعنى غياب “الفاعل الوطني” ليس انحرافاً بل هو نتيجة بنيوية.
يتعزز هذا التحليل مع أطروحة سمير أمين حول علاقة المركز بالأطراف فالرأسمالية العالمية لا تتيح ببساطة تكرار المسار الأوروبي الكلاسيكي حيث قادت البرجوازية مشروعاً وطنياً للتحرر والتنمية.
في الأطراف ومنها السودان يتم إدماج الاقتصادات ضمن تقسيم دولي للعمل يكرّس التبعية وبالتالي، فإن أي محاولة لبناء “تنمية وطنية” داخل هذا الإطار تكون مشوهة غير مكتملة ومعتمدة على الخارج.
هذا يعني أن الثورات التي لا تكسر هذه البنية العالمية بل تعمل داخلها تجد نفسها محكومة بسقفها.
لذلك دعوني اذهب معكم خطوة أبعد عبر نقد فكرة “المرحلة” نفسها فالمشكلة ليست في أن السودان لم يمر بعد بمرحلة رأسمالية وطنية مكتملة بل في غياب فاعل اجتماعي مهيمن قادر على فرض مشروع تاريخي متماسك.
بمعنى آخر “المرحلة” ليست مساراً حتمياً بل نتيجة لصراع اجتماعي تُحسم فيه مسألة الهيمنة
وهنا نصل إلى المفهوم الحاسم في تحليل فشل الثوراتوهي مفهوم الهيمنة كما صاغها أنطونيو غرامشي.
ان الهيمنة، في معناها الغرامشي ليست مجرد سيطرة سياسية بل قدرة طبقة أو تحالف اجتماعي على قيادة المجتمع ككل ليس فقط عبر القوة بل عبر بناء توافق ثقافي وأخلاقي حول مشروعها.
الثورات في السودان تنجح في إسقاط السلطة، لكنها تفشل في بناء الهيمنة، لأنها:
لا تمتلك مشروعاً اقتصادياً متماسكاً
لا تبني مؤسسات بديلة قادرة على الاستمرار
لا تنتج خطاباً قادراً على توحيد الفئات الاجتماعية المختلفة
ولا تعيد تنظيم المجال الثقافي بما يخدم مشروعها
في غياب هذه الهيمنة تظل الدولة جهازاً معلقاً سرعان ما تستعيده القوى الأكثر تنظيماً وغالباً هي نفس القوى المرتبطة بالبنية القديمة.
لذلك فشل الثورات في السودان ليس نتيجة نقص في الشجاعة أو التضحية بل نتيجة غياب الشروط البنيوية اللازمة للنجاح:
غياب طبقة قادرة على قيادة مشروع وطني
هيمنة نمط تراكم ريعي تابع
اندماج الدولة في إعادة إنتاج هذا النمط
وغياب مشروع هيمنة بديل
عليه فإن أي ثورة لا تعيد طرح هذه الأسئلة على مستوى البنية الاقتصاد الدولة والهيمنة محكومة بأن تكرر نفس المصير.
التحدي الحقيقي إذن، ليس في إسقاط النظام بل في بناء ما بعده.

