المنتصر أحمد
‫الرئيسية‬ مقالات السودان بين وهم التغيير وأزمة الهيمنة: لماذا فشلت ثوراته حتى الان في بناء الدولة؟ (1-8)
مقالات - 3 أبريل 2026, 19:09

السودان بين وهم التغيير وأزمة الهيمنة: لماذا فشلت ثوراته حتى الان في بناء الدولة؟ (1-8)

من فشل الدولة إلى فشل التراكم – تفكيك الأساس البنيوي للأزمة

بقلم: المنتصر أحمد

ليست المأساة السودانية الراهنة بحربها المفتوحة وانهيار مؤسسات الدولة وتفكك المجتمع حدثاً طارئاً أو انحرافاً عابراً في مسار الانتقال السياسي كما يحلو للبعض تصويره ان ما نعيشه اليوم هو التعبير الأكثر كثافة عن أزمة تاريخية عميقة تتجاوز الحكومات والأنظمة وتمتد إلى بنية الدولة نفسها بل إلى طبيعة المجتمع الذي لم يكتمل تشكّله ككيان سياسي موحد.
عملية اختزال الأزمة في فشل “الانتقال الديمقراطي” أو في صراع بين عسكريين ومدنيين ليس فقط تبسيطاً مخل بل هو أيضاً عائق معرفي يمنعنا من فهم الجذور الحقيقية لما يحدث حيث يكون السؤال الجوهري ليس: لماذا فشل الانتقال؟ بل: لماذا تتكرر في السودان دورة تاريخية تكاد تكون ميكانيكية:
انفجار ثوري
ثم أمل عارم
ثم ارتداد إلى نظام أكثر عنفاً واحتكاراً؟
الإجابة تكمن في مفهوم مركزي غالباً ما يتم تجاهله او تبسيطه احيانا ألا وهو أزمة الهيمنة.

من فشل الدولة إلى فشل التراكم – تفكيك الأساس البنيوي للأزمة
يصنف السودان عادة ضمن “الدول الفاشلة” لكن هذا الوصف رغم شيوعه لا يفسر شيئاً بقدر ما يخفيه فهو يختزل أزمة تاريخية معقدة في توصيف إداري سطحي يتجاهل الشروط التي نشأت فيها الدولة نفسها.
فالسودان ليس “دولة فاشلة” بالمعنى الكلاسيكي ولكن هو أقرب إلى “دولة تحت الإنشاء” أو بوصف أدق: دولة تشكلت في سياق لم يسمح أصلاً ببناء أسسها الحديثة بصورة مكتملة فمنذ نهاية الحقبة الاستعمارية ظلت الدولة في حالة بحث دائم عن ذاتها:
عن هويتها الثقافية
عن نموذجها السياسي
وعن شكل العلاقة بين مكوناتها الاجتماعية.
هذا البحث المستمر لم يكن للاسف تعبيراً عن حيوية فكرية بل عن غياب الأساس المادي والسياسي الذي يمكن أن يُبنى عليه توافق مستقر فالدولة في تعريفها الأدنى هي القادرة على احتكار العنف المشروع وتوفير الحد الأدنى من الأمن والخدمات لمواطنيها.
لكن في الحالة السودانية ظل هذا الاحتكار هشاً بل ومتنازعاً عليه حتى ما أدى إلى ظهور أنماط متعددة من العنف بدءا من من الحروب الأهلية إلى المليشيات وصولاً إلى ما يُعرف بـ”الحروب الجديدة” التي لم تعد تهدف إلى بناء الدولة بل إلى تفكيكها.
لفهم هذا الوضع، لا بد من العودة إلى طبيعة التراكم الاقتصادي الذي نشأت عليه الدولة ففي التجارب الأوروبية الكلاسيكية ارتبط نشوء الدولة الحديثة بعملية تراكم رأسمالي قائمة على الإنتاج الصناعة الزراعة المنظمة وتوسيع السوق الداخلية.
أما في السودان، فقد تم إدماجه في الاقتصاد العالمي كمصدر للمواد الخام لا كمجتمع منتج مكتمل.
هذا الإدماج أنتج ما يُعرف بـ”التراكم البدائي” دون أن يتبعه تطور إنتاجي حقيقي أي تم فصل المنتجين عن وسائل إنتاجهم خصوصاً الأرض دون بناء بديل اقتصادي مستقر والنتيجة لم تكن رأسمالية قومة منتجة كما تصور البعض بل رأسمالية طفيلية تعتمد على:
الوساطة التجارية
السمسرة
الاحتكار
واستغلال الدولة كأداة للتراكم
هذه الرأسمالية لم تبنِ مجتمعاً بل فككته لم تخلق طبقات مستقرة بل شظايا متنافسة ولم تنتج دولة حديثة بل جهازاً هشاً يُستخدم لإدارة التناقضات لا لحلها.
ومن هنا فإن ما يُسمى بـ”فشل الدولة” هو في جوهره تعبير عن “فشل التراكم”.
فالدولة لا تفشل لأنها ضعيفة إدارياً بل لأنها قائمة على نمط تراكم لا يحتاج إلى مجتمع متماسك بل يستفيد من تفككه إن الرأسمالية الطفيلية بحكم طبيعتها لا تسعى إلى بناء سوق وطنية أو تطوير قوى الإنتاج بل إلى استخراج الفائض عبر السيطرة على الدولة أو القرب منها وبالتالي فإن استمرار عدم الاستقرار ليس خللاً في النظام بل أحد شروط عمله.
هذا ما يفسر لماذا ظلت النخب السودانية على مدى عقود عاجزة عن الاتفاق على مشروع وطني جامع فالصراع لم يكن فقط حول السلطة بل حول طبيعة الدولة نفسها:
هل هي دولة مواطنة
أم أداة لإعادة توزيع الامتيازات بين نخب متنافسة؟
وقد تعمق هذا المأزق مع سياسات ما بعد الاستقلال التي أعادت إنتاج كثير من الهياكل الاستعمارية سواء في الاقتصاد أو في الإدارة أو في أنماط الحكم فبدلاً من بناء مؤسسات شاملة تم الاعتماد على الشبكات الشخصية والمحسوبية والتحالفات الضيقة ما أدى إلى إضعاف الدولة من الداخل.
في هذا السياق لم تكن الحروب في دارفور أو جبال النوبة أو الشرق أحداثاً استثنائية بل تعبيراً عن أزمة بنيوية في الدولة نفسها فهي حروب حول من يملك الحق في الموارد ومن يُعترف به كمواطن ومن يُستثنى من المعادلة.
كما أن محاولات فرض هوية أحادية سواء عبر التعريب أو الأسلمة لم تؤدِ إلى توحيد البلاد بل إلى تعميق الانقسامات لأنها تجاهلت الطبيعة التعددية للمجتمع السوداني.
من هنا، فإن الخروج من الأزمة لا يمكن أن يتم عبر إصلاحات سطحية بل يتطلب إعادة تأسيس وبناء شاملة لعلاقة الدولة بالمجتمع، تقوم على:
المواطنة المتساوية
إعادة توزيع الثروة
الاعتراف بالتعدد الثقافي
وفصل الدين عن الدولة
وبناء نظام سياسي تشاركي يضمن تمثيل جميع الفئات
بمعنى آخر، لا يمكن بناء دولة مستقرة دون إعادة بناء نمط التراكم نفسه.
فالدولة ليست مجرد جهاز… بل تعبير عن توازن اجتماعي وإذا ظل هذا التوازن قائماً على النهب والاحتكار والتفكيك فإن كل محاولات الإصلاح ستظل تدور في حلقة مفرغة.

الدولة كعلاقة، لا كجهاز
من هنا يمكن فهم أحد أكبر أخطاء الخطاب السياسي السوداني الا وهو ان التعامل مع الدولة كجهاز يمكن “تفكيكه” أو “إصلاحه” عبر تغيير القيادات أو القوانين هذه الرؤية رغم انتشارها تتجاهل أن الدولة في جوهرها ليست مجرد مؤسسات بل علاقة اجتماعية.
الدولة هي شبكة معقدة من العلاقات التي تربط:
الاقتصاد بالسياسة
المجتمع بالسلطة
الوعي بالممارسة اليومية
وهي في السياق السوداني، ليست مجرد جهاز إداري أو أمني بل أداة لإعادة إنتاج نمط التراكم الطفيلي لا ضحية له هذا الفهم يفرض علينا النظر إلى آليات عملها اليومية لا فقط إلى مؤسساتها الرسمية.
خذ مثلاً الاقتصاد غير الرسمي الذي يُنظر إليه عادة كعلامة على ضعف الدولة أو غيابها في الواقع هو أحد أعمدة بقائها نعم فمن خلاله يتم ربط ملايين المواطنين بشبكات ولاء غير رسمية حيث تصبح لقمة العيش نفسها مشروطة بالانتماء أو القرب من مراكز النفوذ الجهوية القبلية المؤسساتية او غيرها هنا لا يعود المواطن فاعلاً مستقلاً بل جزءاً من منظومة تبعية يومية تُعيد إنتاج السلطة في أدق تفاصيل الحياة.
لكن هذه الآلية لا تعمل بمعزل عن بنية أعمق تتجلى في كيفية توجيه الغضب الشعبي فالغضب بوصفه طاقة اجتماعية قابلة للتحول إلى فعل سياسي لا يُترك ليتجه نحو مراكز السلطة الحقيقية بل يُعاد توجيهه بشكل منهجي نحو صراعات جانبية ويتم ذلك عبر ثلاث مستويات مترابطة:
أولاً إعادة إنتاج الانقسام التاريخي فالإرث الاستعماري لم يترك فقط حدوداً جغرافية مصطنعة بل ترك أيضاً مجتمعات منقسمة إلى وحدات إثنية وقبلية جرى تضخيم اختلافاتها وتحويلها إلى هويات صلبة وقد تم تعميق هذا الإرث لاحقاً عبر النخب الحاكمة التي ورثت منطق “فرّق تسد” فعملت على إعادة تسييس الانتماءات الأولية (قبيلة، جهة، إثنية) بوصفها أدوات للصراع.
ثانياً إضعاف مفهوم المواطنة مقابل تقوية الولاءات الأولية فالدولة بوصفها كياناً حديثاً مفروضاً تاريخياً لم تنجح في خلق علاقة ولاء متبادلة مع مواطنيها لأنها لم تقدم في المقابل خدمات أو حماية أو عدالة ونتيجة لذلك ظل الانتماء الفعلي للفرد موجهاً نحو القبيلة أو الجماعة المحلية التي توفر له ما عجزت الدولة عن توفيره في هذا السياق يصبح الصراع على الموارد أو السلطة مُترجماً فوراً إلى صراع هوياتي لا صراع مصالح.
ثالثاً إدارة الصراع بدل حله فبدلاً من معالجة جذور التفاوت الاقتصادي أو إعادة توزيع الموارد يتم تضخيم التناقضات بين المجموعات الاجتماعية المختلفة وهنا تتحول النزاعات سواء في البحر الأحمر او النيل الأزرق أو دارفور أو غيرها إلى ساحات يتم فيها تفريغ الغضب الشعبي بعيداً عن مراكز التراكم والسلطة بل إن هذه النزاعات كثيراً ما تُغذّى بشكل مباشر أو غير مباشر من قبل فاعلين سياسيين أو اقتصاديين محليين أو إقليميين يستفيدون من استمرار حالة عدم الاستقرار.
في هذا الإطار لا يعود الاستقطاب سواء بين “مركز وهامش” أو بين “قبائل” أو حتى بين معسكرات سياسية مجرد تعبير عن اختلافات واقعية بل يصبح آلية بنيوية لإعادة إنتاج النظام نفسه.
ولهذا، فإن الاستقطاب ليس عرضاً… بل أداة حكم.
عليه لا يمكن فهم الاستقطابات الحادة التي يشهدها السودان سواء كانت سياسية جهوية أو قبلية كظواهر عابرة إنها جزء من بنية الحكم نفسها فالدولة منذ نشأتها في سياق ما بعد الاستعمار ورثت نموذجاً يقوم على إدارة مجتمع متنوع عبر تفتيته لا عبر دمجه وقد عززت النخب الحاكمة هذا النموذج من خلال الاعتماد على شبكات الولاء الشخصي والمحسوبية بدلاً من بناء مؤسسات عامة محايدة.
فالسلطة في السودان لم تنجح يوماً في بناء “حس مشترك” وطني بل اعتمدت على العكس تماماً إدارة مجتمع مفكك من خلال تعميق انقساماته وبهذا المعنى فإن الفوضى ليست نتيجة فشل الدولة بل أحد شروط بقائها.
حين ينقسم المجتمع إلى كتل متناحرة يُعاد تعريف الصراع من كونه صراعاً ضد بنية الهيمنة إلى صراع بين ضحايا هذه الهيمنة أنفسهم وهنا يحدث التحول الأخطر:
يتحول النظام من طرف في الأزمة إلى “وسيط” فيها.
في هذه اللحظة تصبح الدولة رغم ضعفها “الحكم الضروري” الذي يمنع الانزلاق إلى الفوضى الشاملة بل أكثر من ذلك تتحول حتى أكثر الأنظمة قمعاً إلى خيار “أقل سوءاً” في نظر بعض الفئات ليس لأنها شرعية بل لأن البديل يبدو أكثر خطورة في ظل استقطاب غير مضبوط.
وهكذا تكتمل الحلقة:
تفكيك المجتمع
توجيه الغضب
صراع داخلي
خوف من الفوضى
قبول ضمني بالسلطة القائمة.
إن فهم هذه الآلية ليس تمريناً نظرياً بل شرط أساسي لأي مشروع تغييري حقيقي لأن كسر هذه الحلقة لا يبدأ فقط بإسقاط السلطة بل بتفكيك البنية التي تجعل من استمرارها أمراً ممكناً بل ومقبولاً أحياناً.

 

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *