
الرئيسية ثقافة فنون “غضب الرغيف” قصيدة الشاعر عبد المجيد حاج الأمين التي أثارت حفيظة الأجهزة الأمنية
“غضب الرغيف” قصيدة الشاعر عبد المجيد حاج الأمين التي أثارت حفيظة الأجهزة الأمنية
محمد محيد
الشاعر الدبلوماسي السوداني عبد المجيد حاج الأمين (١٩٣٢-٢٠١٠)، نظم شعرا كثيرا في شتى المناسبات، وكانت قصائده تثير الاهتمام وتنال الإعجاب التام لما لها من مقدرة عظيمة في تصوير الحال القائم و نقل المزاج العام الى القاري او السامع، وتظل فترة الثمانينات من القرن المنصرم فترة خصيبة للإلهام ولنظم الشعر، ففيها كتب عددا من القصائد الرائعة واغلبها نشر في الصحف اليومية السودانية.
كان الشاعر عبد المجيد حاج الأمين يكتب في معظم المناسبات العامة والخاصة و يأتي بشعر رصين. وفى ليلة تأبينه بجامعة الاحفاد في مايو ٢٠١٠، بعد عدة اشهر من رحليه، قال عنه الاديب السوداني الدكتور عمر احمد قدور ان “عبد المجيد شاعر مجتمع، ولم يكن منغلقا ولا رومانسيا يحلق في ذاته،” وبالأحرى نقول انه كان شاعرا رومانسيا فى نظمه لكنه لم يكن منغلقا و بالتأكيد كان شاعرا مؤثرا فى المجتمع السوداني
في ذلك الزمن أثارت قصيدته ‘غضب الرغيف’ حفيظة الأجهزة الأمنية وحكى انه في أواخر عام ١٩٨١ وهو قادم من رحلة خارج البلاد. استوقفه رجل الأمن المسؤول وطلب منه ان يأتي معه الى مكتب الأمن بمطار الخرطوم للتحقيق معه بشان تلك القصيدة، التي أصبحت تنتشر بين الناس، وكان لصلاته الجمة بأغلب اهل السودان ووده لهم، قد ذكر انه كان يعرف عدد من أولئك المحققين.
وبعد ان دخلوا الى مكتب ضابط الأمن بالمطار وجلس أمامهم، طلبوا منه ان يقرأ عليهم قصيدة ‘غضب الرغيف’ ففعل! وذكر شاعرنا، عليه الرحمة، انه راي البسمات تلعو وجوههم ومنهم من طلب منه نسخة من القصيدة، ثم انتهى التحقيق الرسمي بعد قراءة القصيدة وغادر الشاعر مطار الخرطوم حرا طليقا.
أضاف الشاعر عبد المجيد حاج الأمين في هذه القصيدة روح من المرح والطرفة على الرغم من جدية وفخامة موضوعها الأساسي، وفى بعض الأحيان كلما كان النص ‘مضحكا’ كلما كان اثره أقوى وابقى، وشاعرنا قد أبدع في هذا المجال. وما قصيدته ‘غضب الرغيف’ الا درة واحدة فقط من كنز الذهب والياقوت الأدبي الذى تركه.
وذات مرة قال انه قد ضاق ذرعا بالوقوف في ‘صف العيش, وصف الغاز, وصف البنزين, وان حياته أصبحت كلها ‘صفوف’، ولكن دون جدوى فقد وجد نفسه واقفا ذات مرة في تلك الأيام في صف البنزين وامامه وخلفه وعلى يمينه وعلى يساره عدد من أصدقائه ومعارفه الذين يحبون الاستماع الى شعره، عندها ارتجل لهم هذه الابيات:
شعراء ‘صفوف البنزين’
ماذا قلتم؟ هل تفتونى؟
اسمعتم من ‘سبأ’ نبأ
ام صم بكم دون عيون
قالوا ‘الطاغوت’ ‘سيفرمكم’
ويطحنكم أي طحين!
والشعر حوادث وازمان ومواقف تذكرنا بالجميل والقبيح والخير والشر وتجعلنا بشرا لهم شعور وضمير ، وأحيانا في كل بيت من بيوت القصيدة تجد قصة ما، وتجد ذكرى، وموقف بذاته، فمثلا
قرأ القصيدة الى مجموعة من أصدقائه في دولة الكويت وبها هذا البيت:
أقف في الصف، هل تشهى
‘دجاجا كويتيا’ تراءى في الرفوف
نظر الكويتيين الى بعضهم البعض في دهشة متسائلين “هل في دجاج كويتي؟” ..حينها اخبرهم الشاعر بأن هناك في السودان “الشركة الكويتية لإنتاج الدواجن” التي اصبح ‘دجاجها المحمر’ او ما بات يعرف ‘بالدجاج الكويتي’ مشهورا ومرغوبا تقريبا في جميع أنحاء البلاد.
لم لا نقف قليلا بين تلك البيوت الشعرية لنرى ما كان خافيا؟
حكى الشاعر المميز عبد المجيد حاج الأمين انه رجع الى المنزل متأخرا بعد ان كان يقرأ ويسمع الشعر مع عدد من أصدقائه ولكن حال وصوله البيت طلبت منه زوجته ان يذهب ليقف في ‘صف العيش’، و كان يتمنى ان ينعم ببعض النوم في تلك الليلة، ولكن الآن لابد من الذهاب والوقوف في ‘صف العيش’ فخرج من المنزل يحمل كيسا، وبعد ساعات طوال عاد يحمل خبزا ساخنا ولكن كان الصباح قد اتي:
تقول الشعر في كل الظروف
فماذا قلت في صف الرغيف؟
طوابير تلم لقيط خلق
من الاوباش تردف فى رديف
هرعت الى الصفوف ولست تدرى
بما يجرى هنالك فى الصفوف
والفاظ تقال بلا حياء
ونسوان تثرثر فى سخيف
وإنك سامع كل المآسي
ولا تقو على رد حصيف
ويا موهوب كيف وقفت فيه
وكنت تعاف مزدحم الرصيف
أقف فى الصف واصبر
فالليالي تعلم من تباريح الصروف
اقف فى الصف هل تشتهى
‘دجاجا كويتيا’ تراءى فى الرفوف
أقف فى الصف لا يخجلك شى
ف’عيشك’ طالع فى حر صيف
ودورك قادم من دون شك
لتلحق صف ‘بنزين’ عنيف
ولا تنس ف’غازك’ لا يكفي
وبيتك فيه اشتات الضيوف
إذن قد ضاع يومك دون مغزى
وعدت البيت منهوك الكتوف
وبعد تلك الأبيات الجميلة التي تعكس حالة الشاعر و صراع العيش الذى واجهه في ذلك الوقت، تألق مرة أخرى وبرزت الرمزية في شعره فأضافت عمقا الى قصيدته وهو يخاطب نظام مايو المتهالك، وسقط ذاك النظام بعد ٣ سنوات
نظامك قد تعرى من بهاء
تساقط مثل أوراق الخريف
و’سوقك’ أسود يهوى علينا
بمعوله ويضرب دون خوف
قضايا الناس من فحم ولحم
تثير مجامر القلم الحصيف
تعجل بالحلول فكل يوم
يمر عليك يمعن فى الصفوف
وقد تتفاقم الأزمات حتى
تطاير منك كالريح العصوف
فلا تسطيع ان تكبح جوادا
تمرد عنك من جرح نزيف
معاناة الرغيف تخيف دوما
حماك الله من غضب الرغيف
رحم الله الشاعر المتمكن عبد المجيد حاج الأمين وسقى الله ضريحه بالرحمة والمغفرة والعتق من النار

