
على العالم مضاعفة الجهود لإنهاء الحرب في السودان
بقلم الدكتور ماجد رافي زاده
مع اقتراب الصراع المدمر في السودان من بداية عامه الرابع، يواجه المجتمع الدولي مشكلة ملحة. فقد تحولت الحرب، التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، إلى واحدة من أخطر الكوارث الإنسانية في هذا القرن.
ومع ذلك، وعلى الرغم من حجم الدمار الهائل والمعاناة التي يتحملها الشعب السوداني، فقد طغت الأزمات العالمية الأخرى على الحرب لفترة طويلة.
يعاني ملايين المدنيين في السودان من النزوح والجوع والعنف وانهيار الخدمات الأساسية. ونتيجة لذلك، من الضروري أن يولي المجتمع الدولي اهتماماً كافياً للسودان وأن يكثف جهوده لإنهاء النزاع. ويتطلب ذلك مشاركة دبلوماسية مستدامة وتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية.
ما بدأ كصراع على السلطة داخل المؤسسة العسكرية السودانية سرعان ما تحول إلى صراع على مستوى البلاد اجتاح المدن الكبرى، ودمر البنية التحتية الحيوية، ومزق النظام السياسي الهش أصلاً.
أصبحت العاصمة الخرطوم إحدى ساحات القتال الرئيسية، لكن العنف امتدّ إلى مناطق عديدة في البلاد، بما في ذلك منطقة دارفور المضطربة أصلاً. ومع اشتداد الصراع، بدأت مؤسسات الدولة السودانية بالانهيار، تاركةً قطاعات واسعة من السكان بلا حكم فعّال، ولا أمن، ولا حتى إمكانية الحصول على الخدمات الأساسية.
كانت العواقب الإنسانية للحرب كارثية، وما زالت تتفاقم. فقد أُجبر ملايين المدنيين على الفرار من ديارهم، مما أدى إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم. ولجأت أعداد كبيرة من العائلات إلى داخل حدود السودان، بينما عبر آخرون إلى دول مجاورة مثل تشاد وجنوب السودان ومصر.
لقد أدى هذا النزوح الجماعي للبشر إلى ضغط هائل على الأنظمة الإقليمية الهشة والبنى التحتية الإنسانية. فمخيمات النازحين مكتظة وتفتقر إلى الموارد، بينما تكافح المجتمعات المضيفة لاستيعاب تدفق اللاجئين الفارين من العنف وانعدام الأمن.
يُعدّ انهيار نظام الرعاية الصحية في السودان من أخطر القضايا التي يجب معالجتها. فقد وردت أنباء عن تدمير مستشفيات أو هجرها، وفرار الكوادر الطبية من مناطق النزاع، وتعطل إمدادات الأدوية المنقذة للحياة بشكل كبير. وفي العديد من المناطق، توقفت مرافق الرعاية الصحية عن العمل، مما ترك المدنيين دون الحصول على العلاج اللازم للإصابات أو الأمراض المعدية أو الحالات المزمنة.
في الوقت نفسه، يشهد العالم نقصاً حاداً في الغذاء نتيجة تراجع الإنتاج الزراعي، وانهيار الأسواق، وتزايد خطورة طرق الإمداد. ونتيجة لذلك، يواجه قطاع كبير من السكان انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، حيث تحذر المنظمات الإنسانية من خطر مجاعة واسعة النطاق في عدة مناطق.
جانب آخر من جوانب النزاع هو التكلفة البشرية، التي تُعدّ مدمرة بشكل خاص للفئات الضعيفة، بمن فيهم الأطفال والنساء. فقد حُرم ملايين الأطفال من التعليم نتيجة تدمير المدارس أو إغلاقها أو تحويلها إلى ملاجئ للعائلات النازحة. إضافة إلى ذلك، ارتفعت معدلات سوء التغذية بين الأطفال بشكل حاد.
تواجه النساء والفتيات مخاطر متزايدة للعنف والاستغلال والنزوح، لا سيما في المناطق التي توقفت فيها مؤسسات إنفاذ القانون فعلياً عن العمل. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى خلق جيل ضائع تشكله الحرب والحرمان وغياب المؤسسات المستقرة.
من المثير للقلق أنه على الرغم من فداحة هذه الكارثة الإنسانية، فإن الحرب في السودان لم تحظَ في كثير من الأحيان إلا باهتمام محدود من وسائل الإعلام الدولية والقيادات العالمية. وهذا يعني أن مأساة السودان تُنذر بأن تصبح حرباً منسية.
قد تكون عواقب إهمال الحرب في السودان وخيمة. فعدم الاستقرار المطوّل في السودان يحمل تداعيات خطيرة على المنطقة بأسرها، بما في ذلك القرن الأفريقي ومنطقة الساحل، حيث تُشكّل الأنظمة السياسية الهشة والهشاشة الاقتصادية تحديات جسيمة. كما أن استمرار الصراع قد يُفاقم تدفقات اللاجئين، ويُؤجّج انعدام الأمن عبر الحدود، ويُعمّق حالة عدم الاستقرار الإقليمي.
ظهرت بعض المبادرات الدبلوماسية في محاولة لوقف القتال وإيجاد سبيل نحو تسوية سياسية. ومن بين أكثر الجهود جدوىً وأهميةً الإطار الدبلوماسي الذي طرحته مجموعة من الدول تُعرف باسم “التحالف الرباعي” – وهي السعودية والولايات المتحدة ومصر والإمارات العربية المتحدة.
تُعدّ هذه مبادرة عملية وفعّالة، إذ تمثل محاولة هامة لتنسيق الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية لتحقيق وقف إطلاق النار وانتقال سياسي أوسع. ويهدف إطار عمل الحوار الرباعي، من خلال الجمع بين أصحاب المصلحة الإقليميين الرئيسيين والقوى العالمية، إلى تشجيع المفاوضات بين الفصائل المتحاربة وتهيئة الظروف المواتية للسلام.
من أهم ركائزها إدراك أن النزاع السوداني لا يمكن حله بالوسائل العسكرية وحدها. ونتيجة لذلك، تركز على عملية تدريجية تبدأ بوقف إطلاق نار إنساني، مما يسمح لمنظمات الإغاثة بتقديم المساعدة العاجلة للمدنيين العالقين في مناطق النزاع.
تُعدّ هذه الهدنة مهمة لأنها قد تُفسح المجال لمفاوضات أوسع تهدف إلى إرساء وقف دائم لإطلاق النار وبدء عملية سياسية انتقالية. والهدف النهائي من هذه الجهود هو تيسير ظهور نظام سياسي بقيادة مدنية قادر على استعادة الاستقرار والحكم الرشيد في السودان.
باختصار، مع اقتراب نهاية العام الثالث من هذا الصراع المدمر، تبرز الحاجة المُلحة إلى تحرك المجتمع الدولي. فمعاناة ملايين المدنيين تستدعي استجابة عالمية مستدامة تجمع بين المساعدات الإنسانية والجهود الدبلوماسية. ويمكن للمبادرات الدبلوماسية المتجددة، كإطار عمل الحوار الرباعي، إلى جانب قيادة مؤسسات إقليمية كالاتحاد الأفريقي، أن تُوفر مسارات عملية نحو السلام.
————————————–
- نُشر هذا التحليل علي مجلة أوراسيا ريفيو
- الدكتور ماجد رافي زاده هو عالم سياسي إيراني أمريكي تلقى تعليمه في جامعة هارفارد

