
التبعات السياسية تصنيف جماعة الاخوان المسلمين السودانية كحركة إرهابية
بكري الجاك
قرار تصنيف الخارجية الامريكية للإخوان المسلمين في السودان كمنظمة إرهابية يشمل الحركة الإسلامية و مليشيا البراء بن مالك حاليا و ربما يتم التفصيل فى القرار بإضافة أسماء منظومات و افراد، وهو امر تأخر كثيرا في حقيقة الأمر، فبسبب أفعال هذه الجماعة من استخدام العنف كوسيلة للتغيير و زعزعة الأمن الإقليمي و فكرها المتطرف كانت أمريكا قد صنفت الدولة السودانية برمتها كدولة راعية للإرهاب و كان لهذا القرار تبعات ثقيلة على كل المواطنين السودانيين اذ كانوا يجلسون بالساعات في مطارات الدول هذا اذا استطاعوا الحصول على فيزا أصلا و هو امر نادر، و كانت النتائج عزلة السودان و فقدان فرص للتبادل الثقافي و التجاري و التعليمي، و نتيجة هذه العزلة هي التراجع في مستويات و كفاءة التعليم ما قبل الجامعي اما التعليم العالي فقد صار أضحوكة العالم بعد ان كنا من رواده في زمان سحيق.
ونتيجة لحراك ثورة ديسمبر و حكومة الثورة و عمل ضخم قام به السودانيون في المهاجر تم رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب و بدأت البلاد تنفتح على الاقتصاد العالمي و دخول معايير مواصفات الجودة الدولية، بل لاحت فرصة الدخول في برنامج إعفاء الديون تحت مظلة برنامج الدول المثقلة بالديون HIPC
للأسف لم يرق لتلك الجماعة ان تمضي الأمور الي منتهاها، و برغم العثرات المتعددة و الأخطاء في بعض التقديرات السياسية الا ان حكومة الثورة كانت في طريقها لوضع لبنات لتغيير سياسي و اجتماعي كان يمكن ان يفتح افق البلاد على مرحلة يقرر فيها السودانيون عبر صناديق الانتخابات طبيعة الدولة التي ينشدون و يتوافقون فيها على عقد اجتماعي جديد يقطع مع فشل الماضي و تركته الثقيلة من تجريف و تسطيح للحياة السياسية و تطبيع مع الفساد في الفضاء العام. فماذا فعلت الجماعة و بعض المتآمرين معها انها عملت على خلق الفتنة بين القوي الاجتماعية و السياسية التي صنعت الثورة و حين لم ينجح هذا المخطط قامت بالتآمر و اشعال الفتن القبلية في النيل الأزرق و البحر الأحمر و كسلا و دارفور و حين لم ينجح ذلك قامت بالانقلاب و حين فشل الانقلاب أشعلت الحرب و خلقت سردية الإحالة أي ان يبدأ التاريخ في ١٥ أبريل و ان مشكلة السودان هي تدخلات خارجية من دولة واحدة و حسب، و ليس ما فعلته الحركة الإسلامية التي استمرت في منهج خلق المليشيات و الاستثمار في التناقضات الاجتماعية و نشر الفساد حتي انقسم المجتمع و اصبح السلاح وسيلة الترفيع السياسي و اتسعت دائرة الحرب و الانتهاكات و أصبحت انتهاكات الدعم السريع و اتهام الامارات هي الحجة الأوحد في جدل الحرب لدي الإسلاميين و جوقتهم و كأنما كل الخراب بأكمله ليس من صنع المؤتمر الوطني و حركته الإسلامية، و ها نحن نحدق الان في اكبر كارثة إنسانية و امامنا حالة الانقسام الاجتماعي و الحرب تشتعل و الناس تموت فى الوقت الذي تنهار فيه مؤسسات الدولة و يستشري الفساد السياسي و الاقتصادي فى كل مناحي الحياة.
و على أهمية قرار التصنيف و ما سيقود اليه من محاصرة لهذه الجماعة اقتصاديا و تعقيد فرص تحركاتها سياسيا الا انه يجب ان ننتبه الى بعض النقاط:
أولا ، الحركة الإسلامية و المؤتمر الوطني سيتخلون عن كل تاريخهم و سيغيرون جلدهم و سيأتون في شكل واجهات جديدة و الأهم انهم سيضاعفون من قدرتهم من السيطرة على ما تبقي من جهاز الدولة خصوصا الأجهزة الأمنية و الأجهزة العدلية و الخارجية و منظومة الصناعات الدفاعية و سيكون هذا حزبهم الحاكم.
ثانيا، هذا القرار بمثابة انزار و فرصة للمجموعات التى تتحالف الان مع الحركة الإسلامية خصوصا ما كان يعرف بحركات الكفاح المسلح و التى تحولت الى مجرد مليشيات قبلية تحارب مع القوات المسلحة، أمامها الان فرصة على ان تعمل على فك ارتباطها بهذه الجماعة و الا فانها قد تنتهي الى نفس المصير.
ثالثا، اذا بالفعل انه يمكن الفصل بين قيادة القوات المسلحة و الأجهزة الأمنية و اذا كان قادة القوات المسلحة ليسوا بأعضاء فى هذه الجماعة و يعملون لصالحها فهذه هي الفرصة الأخيرة لفك الارتباط و تمييز الصفوف بين الجماعة الإرهابية و كتائبها و القوات المسلحة و الأجهزة الأمنية.
رابعا، على دول المنطقة، و خصوصا مصر و السعودية و قطر و تركيا، التي ظلت تدعم في معسكر القوات المسلحة باعتبار انها تدعم مؤسسات الدولة ان تعي انها قد تكون ضالعة في دعم جماعات متطرفة اذا استمرت في هذا الدعم دون ان تطالب القوات المسلحة بفك ارتباطها بهذه الجماعة، كما عليها أيضا ان تعي ان هذه الجماعة كانت و مازالت تسيطر على مؤسسات الدولة و انه عدم الاعتراف بهذه الحقيقة هو محض تعامي عن الواقع.
خامسا، تحالف تأسيس يضم الدعم السريع الذي هو أيضا من مخلفات تجربة الجماعة و بالضرورة به مجموعات قد تكون مازالت لها ارتباطات بهذه الجماعة فهل سيقومون بعمل مراجعات شاملة خصوصا ان قوات الدعم السربع حسب تقارير لجنة تقصي الحقائق متهمة بارتكاب إبادة جماعية، كما و اسوة بالقوات المسلحة و القوات المتحالفة معها هي أيضا متهمة بارتكاب جرائم حرب و جرائم ضد الإنسانية. و ما يعقد المشهد فعلا ان كل حملة السلاح في هذه الحرب تلوثت اياديهم بدماء السودانيين و هذا امر يتطلب مقاربة معقدة لكيفية انهاء العنف و إخراج السلاح من الحياة السياسية.
سادسا و أخيرا، أتوقع ان يكون لقرار الخارجية الامريكية تأثير على دول اخري للمضي في نفس الاتجاه مما سيضيق على هذه الجماعة و محاصرتها حتي تتخلي عن العنف كوسيلة للتغيير اذا ارادت ان يكون لها وجود فى الفضاء السياسي مستقبلا.
خلاصة القول علينا ان نوظف هذا القرار و تحويله الى فعل سياسي للضغط على الرافضين القبول بالهدنة الإنسانية، و هنا تحديدا اعني الجماعة الإرهابية و حلفائها من المليشيات القبلية، وفق خارطة طريق الرباعية فالشعب السوداني معاناته تفوق التصور و الوصف.

