شعر - 6 مارس 2026, 0:17

الشَّوارع

شعر :عمر الصايم
________
بَيْنَ السيّاراتِ المُتَفَحِّمَة، تقفُ سيارةٌ نَاجِية،
طلاؤُهَا نَاصِعٌ،
ومقاعدُها وَثِيرة.
كَأَنَّها وُلِدتْ للتوِّ،
خرجتْ مِن بَظَرِ أنثى ضَبْعٍ مُسِنّة
اِسْمُهَا الحَرْبُ..
ذلكَ البَظَرُ اللولبِيّ الطَّوِيل،
تُرى كيفَ ضَاجَعه الآخرُ المُسْتَذْئِب،
والشركاءُ فِي المُتْعَةِ مِن ذَوِي الأَيْدِي الرَأْسِمَالِيّة،
كيفَ أُنْسِلتْ كُلُّ هذه السّياراتِ المَحْرُوقة،
وناجيةٌ وحيدة!
كُنْتُ أُمَرِّرُ قدمَيَّ فِي الرَّصيف
لا وَقْعُ لأَقْدَامِي،
لا دَوِي فِي هذهِ المَعْرِكَة
عَلَا صَوْتُها، ثُمَّ اِنْخَفَضَ كَبَرقٍ تائه.
خَرَجْنَا نَحْمِلُ مَفْهُومَ البَيْتِ،
تَرَكْنا البَيْتَ، وشُجَيراتِ اللَيْمُون،
عَنْزًةً وحيدة، ستنجبُ بَعْدَ أَيَّام،
وكلباً حنوناً، رُبَّمَا لنْ يَنْكَحَ أُنْثَى خِلال عُمْرِهِ القصير.
تَرَكْنَا وراءَنا صُورَ العائلةِ مُعَلَّقَةً عَلى الجِدَار،
خرائطَنا الجِينِيّة داخلَ الدولاب،
بِضْعَ ضَحَكاتٍ تناثرتْ فِي الفَرَاغ.
تَرَكْنَا البابَ واقِفاً كديدبان لا ينتظرُ أَحَداً،
يضيقُ عليه الشَّارع؛ فَيَنْزَوِي تحتَ ظِلال الحَائِط.
تَرَكْنَا وشوماً خَائِفَةً على بُيوت الجِيرَان..
سَيَتَعَرَّفُون عليها عندما يُبعثون مِن الأَبَدِيّة.
قالتْ اِمْرَأةٌ خرجتْ مِن السيّارةِ النَّاجِية:
“فِي تلكَ السيّارة المُتَفَحِّمَة ماتتْ أُسرتِي، اِبْنَاي وزَوْجِي..”
لمْ تُشر بسبَّابتِهَا لأَيٍّ مِن السيَّاراتِ.
نَعْلَمُ أنَّ جميعَها مَقْبَرَة،
لَمْ نسألها أيُّهم تَعْنِي.
صحبتْنَا إِلى الدُّروبِ، وهي تقولُ:
“سأمضي مَعَكُم، ليسَ لِي مَا يُبْقِيني هُنا..”
فِي شَارِعٍ مِن تُرَاب،
وبَيْنً أنقاضِ مدينةٍ مِن طِين،
وتحتَ سماءٍ مِن دُخان
كُلُّ شَيءٍ يُفْضِي للعدم،
مشهدٌ ينقصُهُ زُومبي يشخرُ فِي دَمِهِ،
يَخْطِرُ شَاهِراً أسنانَهُ.
هذهِ المَرْأَةُ مُثَقَّفَةٌ جداً،
تَحْكِي لنا عن كيفَ تَفْعَلُ الحربُ بالمُدُنِ،
الحقُّ، أنَّا كُنّا لا نَعْلَم!
يا للأسف ماتت أسرتها..
تبَقَّتْ لها حقيبةٌ وحيدة، مَنْزُوعةُ البَصَمَاتِ..
رُبَّمَا مَمْلوءَة بالكُتُبِ النَّاجِية، والأَبْطَال الوهميين.
قلتُ لها: “قريباً سنكونُ فِي مدينةٍ آمنة”
رَمَتْنِي بنظرةٍ حزينة، أَرْدَفَتْها:
“هل سيمنحوننا ابتسامةً دافئة، ذاكرة أخرى
وإمعاءً سالمة”.
آنذاك كان الشَّارِعُ يَتَأوَّه
تغرقُه دموعُ النِّسَاءِ، واِنْكِسَاراتُ الرِّجَالِ،
كأَنِّي به يَهربُ مِن تحتِنا،
يُحاولُ أنْ يكونَ شارِعاً آخرا
زقاقاً في آخرِ الليلِ،
دلتا لِنَهْرٍ شارد..
كُنَّا نُمْسِكُ به بأظافرِنا
نحتضنُهُ كُلَّمَا امتدَّ بنا
نعلمُ حجمَ المَفَازةِ فِي آخرِهِ،
لا نَعْرفُ هُوِيّاتِ الجُثَثِ المُتَنَاثِرَة،
لا نعرفُ الاتجاهات التي اِفْتَرَضَها البَشَر.
نَثِقُ فيه كَشارعٍ وحيد؛
رُبَّمَا يُفْضِي بنا إِلى النَّجَاة.
“ولِمَاذا أَنْجُو..”
قَالتِ المَرْأَةُ، وهِي تَفُكُّ خِمَارَها،
تُكَوِّمُ شَعْرَها للخلفِ،
وتقذفُه فِي ما وراءِ الكَوْنِ
مُتَخَيِّلةً أنَّها أَلْقَتْه في قَعْرِ ذاتِها.
ليسَ لِي مِن إِضَافة..
أَلْمَحُ بَهْرَةَ جُنونٍ عظيم يَطِلُّ مِن عَيْنَيها.
لَطَالما كُنْتُ أَعْشَقُ العيونَ،
أَسْمُونِي شَاعِرَها؛ لَشِدّ ما تَعَلَّقْتُ بالمُقَل،
تلك حوراء في طرفها صرعى،
وهذه دعجاء مكتحلة الأجفان
أواهٍ يا امرأة بين فكي الموت والنزوح؛
مَنْ ذَا سيكتبُ عن عينيك المَجْنُونة،
عن جدائلِكِ التي أَفْزَعَها القَصْفُ
فطارتْ مِن مَخْدَعِها.
كُلُّ شَعْرَةٍ في ضفائرِكِ المُسْتَرخِية تهربُ فَزَعاً،
تقفُ كمساميرَ فِي صليبِ الحياةِ.
لَمْ نَزَلْ أحياء
جنائزَ تمشي على الأَرْضِ
بلا هُوِيَّاتٍ، ولا أحلامٍ مُسْتَحَقَّة..
انخلعتْ تواريخُنا الشخصِيّة
غادرتْنا أسماؤُنَا، يَوْماً ما كانتْ لنا
فِي النُّزوحِ كَمَا فِي المَقْبَرَة؛
النَّاسُ سواسيةٌ بلا مِيثَاقِ الأُمَمِ المُتَحِدة.
تنكرُهُم الشَّوارعُ والبيوتُ،
يكفيهم شِبْرٌ مِن الأَرْضٍ؛
للسيرِ الحثيثِ، أَوِ الإضجاعِ الأَبَدِيّ.
اجتزنا المسافاتِ؛ بحثاً عن الأمانِ
ذلك الذي كُنَّا نَظُنُّه مثلَ سُرَّتِنا،
حُفرةً عميقةً، هادئةً تُولَد معنا.
فِي سَيْرِنا كانتِ الأشجارُ أكثرَ اِصْفِرَاراً
المُدن مُصابةٌ بالكَبِد الوبائِيّ،
القُرَى تنضحُ بروائحِ الدَّم،
كائناتُها الحَيّة، متأففةٌ، تَشْعُرُ بالضَجَر
فِي سَيْرِنا كُنَّا كدجاجٍ مَسْوق نحو حتفِهِ،
يبحثُ عمَّن يقبلُ بالآخر.
فِي بَيْتِ الإيواءِ كُلُّنَا آخر
تَرَكْنَا الأنا هُناك،
اِسْتَنْسَخَتْنا الفجائعُ بجينوم بشري خانع.
ليلةَ الأمس غادَرَ الحياةَ أَرْبَعِيني،
بعدَ أنْ تناولَ طَمَاطِم فاسدة فِي عَشَائِهِ الأَخِير.
يُقالُ أنَّه رَسَّام بَارِع،
وترزي نسائي مَاهِر، يعولُ والدَيه،
وأبناءَ أَخِيه الذي أخذتُهُ حَرْبَ الجنوبِ؛
فلَمْ يُرَ له قبرٌ.
فِي مَقْبَرَةٍ بلا اِسْمٍ دَفَنا شهيدَ الطماطم،
وعُدْنا كما جِئْنَا، جنائز تشيِّعُ بعضَها
نهتفُ فِي صَمْتٍ،
ونشتري لَغْوَ المُدُنِ الآمنة.
كُلَّما ابتعدْنا عن مَرْمَى النِّيرانِ،
تُلاحِقُنا بأزيزِها ذِي الدَّفْعِ الرُّبَاعِيّ،
بأجنادٍ بلا قُبَّعاتٍ، وسراويلَ مُلَوَّنة،
بأطفالٍ قُصَّر ببنادقٍ مَحْشُوَّة،
ورؤوس فارغِة، مُكْتَنِزَة بالشَّعْر المُبْرَم.
جميعُهُم مُولعُون باِلْتِقَاط صورِ السّيلفِي،
والحديثُ عن القِتَال بابتسامةٍ سعيدة.
نهربُ للأمامِ، للخلفِ.. نَحْنُ مَجَامِيعُ المَنسيين،
نَحْنُ المُغْتَصَبَاتُ، النَّاجِياتُ مِن أَسْوَاقِ الرّق..
نَمْلأُ الشَّوارعَ بالأحلامِ المُضَاعة،
والنفوسَ المُنْكَسِرة، كأنَّها لَمْ تَكُنْ يَوْماً حَالِمَة
ضاحكةً، وعلى ما يُرامُ
كأنَّها لَمْ تَكُنْ يوماً نُفوساً مُطْمَئِنّة.
سنعودُ لأُسْرَةِ الأَرْبَعينِيّ،
علينا أنْ نَرْتَادَ العَزَاء؛ حتَّى ولو كُنَّا لا نُجْدِي..
سنجدُ أَبِيه الأعمى مَمْدُوداً فِي الصَّمْتِ
كَنُصَبٍ تَذْكَارِيّ للأُبُوَةِ المُهَدَّدَةِ بالانْقراض،
نقرأُ فِي حَضْرَتِه فَاتِحَةِ الكِتَاب،
شَارِعين الأَيَادِي نَحْوَ السَّمَاءِ..
نُعَزِّيه بِبُرودٍ؛ لسببٍ لا نَعْرفُهُ
صار المَوْتُ اِعْتِيَادِيّ،
صِرْنَا نُؤَدِّي طُقوسَهُ
كَمَنْ يَمْشِي فِي طَرِيقٍ مَأْلُوف؛
رغم أنَّنَا ولملايين السنين نموتُ فِي بيوتِنَا
كمَا نَنَام،
يَحْتَشِدُ حَوْل اِحْتِضَارِنا جَمْهَرَةٌ مِن الأحباب،
رَغم تَاريخِنا العَرِيقِ فِي سُرَادق العَزَاءِ،
رَغم شواهدِ قبورِنا عَلَى المُرْتَفَعَاتِ؛
ألِفْنَا الموتَ سَيْراً على الأَقْدَام.
واِحْتِمَالَ غِيَاب القَبْرِ
عنْ مَرَاسِمِ الدَّفْن.!
——
مجتزأ من قصيدة #تعاويذ_لحربٍ_منسية

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *