
أَطْفَالُ الحَيِّ يَكْتُبُونَ البَيَانَ الأَوَّل
شِعْر: إِدْوَارْد كُورْنِيلْيُو
_ _
فِي زُقَاقٍ ضَيِّقٍ،
الحِيطَانُ
تَتَصَدَّعُ
مِثْلَ ذَاكِرَةٍ مُنْهَكَةٍ…
جَلَسَ الأَطْفَالُ
عَلَى الأَرْضِ،
أَقْلَامُهُمْ
عِيدَانُ خَشَبٍ،
وَأَوْرَاقُهُمْ
بَقَايَا جَرَائِدَ مُهْتَرِئَةٍ.
كَتَبُوا:
“نَحْنُ الَّذِينَ لَمْ نَجِدْ مَقَاعِدَ تَكْفِينَا،
نَحْنُ الَّذِينَ نَرْسُمُ الشَّمْسَ عَلَى الحِيطَانِ،
كَيْ لا يَبْتَلِعَنَا الظَّلَامُ!”
أَحَدُهُمْ رَفَعَ رَأْسَهُ،
وَقَالَ: إِنَّ البَيَانَ يَجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِالضِّحْكَةِ،
فَالضِّحْكَةُ أَقْوَى مِنَ الرَّصَاصَةِ،
وَأَصْدَقُ مِنْ نَشِيدٍ رَسْمِيٍّ يَصْدَأُ فِي الإِذَاعَةِ…
آخَرُهُمْ أَصَرَّ
أَنْ يُكْتَبَ فِيهِ اسْمُ أُمِّهِ،
لأَنَّهَا وَحْدَهَا تَعْرِفُ
كَيْفَ تَخْبِزُ الحُلْمَ
مِنْ حُفْنَةِ طَحِينٍ نَاقِصٍ،
وَكَيْفَ تُخْفِي الدُّمُوعَ
فِي قَهْوَةِ الصَّبَاحِ.
طِفْلَةٌ صَغِيرَةٌ،
مَزَّقَتْ صَفْحَةً مِنْ دَفْتَرِ الحِسَابِ،
وَرَسَمَتْ عَلَيْهَا بَيْتاً بِلَا سَقْفٍ،
وَقَالَتْ:
هَذَا هُوَ وَطَنُنَا،
فَلْنَكْتُبْ أَنَّ السَّقْفَ سَيَعُودُ يَوْماً،
حِينَ نَتَقَاسَمُ الغِنَاءَ بَدَلَ الخَوْفِ!
البَيَانُ الأَوَّلُ،
لَمْ يَكُنْ شِعَارَاتٍ كَبِيرَةً،
وَلَا كَلِمَاتٍ مُنَمَّقَةً،
كَانَ أَنْفَاساً صَغِيرَةً
تَتَسَلَّلُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِمْ،
كَأَنَّهَا طُيُورٌ
تَبْحَثُ عَنْ سَمَاءٍ لا تُقْصَفُ…
حِينَ انْتَهَوْا،
عَلَّقُوا الوَرَقَةَ عَلَى بَابِ الحَيِّ،
كَأَنَّهَا عَلَمٌ جَدِيدٌ،
وَرَاحُوا يَرْكُضُونَ فِي الأَزِقَّةِ،
يَضْحَكُونَ!
كَأَنَّهُمْ أَعْلَنُوا دَوْلَةً مِنَ الطُّفُولَةِ،
لا تَحْتَاجُ إِلَى دُسْتُورٍ،
وَلَا إِلَى رَئِيسٍ،
بَلْ إِلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ
يَخْفِقُ لِلْجَمِيعِ…

