
صفحة من رُزنامة منفِي
شعر :صلاح الزين
” تلك السيدة
السيدة القادمة من قادم الحياة
من منحنى المعنى والانتباه
من قواربٍ بلا مرساة
صيادين أو شِباك
السيدة تلك لا مكانٌ لها في هذه الحياة”
هكذا يقول المنفِيُّ لظِلِّهِ
المنفِيُّ يجلس على كرسي من هواء
يحدِّق في ظِلِّهِ ومارةٍ بأرجلٍ من ريح
فهو صديقُ الحرب وعدوُ المكان
نصفُ إله
يبحث عن حربٍ أضاعها العباد
صلواتٍ وضؤُها من سراب
بعضٌ من شعاع يبحث عن نصفِهِ
وترٌ انخلع من صُحبةِ كمنجة
فأضاع المساء وقيلولة النبيذ
مثل سِربِ نملٍ يغادره الصباح،
صباحُهُ، على حوافر الريح
المنفِيُّ يومُهُ سيدةٌ تمشِّط عنقَ كلبِها
لا سيدة له ولا كلب يستلف مِنخارَهُ..
فيتعب..
يتعب المنفِيُّ ويجُرُّ المكان الهناك
ليسامر الهنا
من أسفل جيبه يُخرِج برتقالةَ يومِهِ
يقشِّرها وينثرها للحمام الذي هنا
ليطعم الطيورَ التي هناك
فالحرب حربان أو تزيد
بلسانِ صمتِهِ يتلو المنفِيُّ وصاياه
وبالآخر يرعَى شؤون الغمام
يطوي رُزنامتَهُ ويرنو للمساء
يرنو إليه كلعنةٍ أَفلتَت من عرش الإله
برشاقةِ أميرٍ يَعِدُّ المنفِيُّ لمساءٍ يليق بالأمنيات
من هواء الشرفة يفتل وترًا للكمنجات والناي
من أنفه يَستلُّ غبار نعال الأصدقاء
وجهَ أمُّه
نبيذًا من نَفَس الله
لا ينسى شؤونه الصغيرة
بلا خفة يبدِّل ملايات السرير
بعيدًا يقذف بالمخدة وإبَرَها
لينام الأرقُ ويستكين
بعطرٍ نسائي يرش خَفَرَ الهواء
فالسيدة لا مكانَ لها الليلة هنا
ابتلعها طنينُ الصدى وغابت
كخطيئةٍ نَسِيَها الشيطان والسموات
وبال عليها المكان
يشعل التلفاز
ليسمع قليلا، قليلاً من حروب
فهو صديقُ الحرب وعدوُ المكان
وإنْ ينسى لا ينسى ماءَ العُشبةِ منتصف النهار
يغلق باب الشرف كيلا يتطفّل الحمام
المنفِيُّ أعَدَّ المكانَ لسهرةٍ برفقةٍ من دخان
يميناً، وكأصابعٍ من نور، يجلس الصحاب
ينفضون غبار نعالهم ويعتذرون
يعتذرون أنْ غاب بعضهم
فتدمعُ المفارش وزهرة الأقحوان
يشيحُ النبيذ بوجهِهِ ويغيض
وبما تبقّى من حَبَبٍ يرسم وجهها
وجه السيدة، السيدة تلك
التي لا مكانَ لها في هذه الحياة
ومن فوق كرسيِّه ذاك يَحُكُّ المنفِيُّ أرنبةَ أنفهِ
يعطسُ ولا يَستغفِر
المنفَى عصاةُ الله
والمنفِيُّ شاةٌ بلا جرس

