
حرب السودان تقترب من عامها الثالث… فأين يكمن المخرج؟
المنتصر أحمد
مع استمرار الحرب في السودان منذ أبريل 2023 يعيش انسان السودان في الداخل والخارج على حد سواء تحت ضغط مزدوج يتمثل في تفكك السلطة المركزية وغياب خدماتها الأساسية من جهة واستمرار الصراع العسكري والاستقطاب السياسي الحاد من جهة أخرى
غير أن التعامل مع هذا الواقع لا يستقيم عبر مقاربات أخلاقية أو رومانسية تفترض أن الجماهير قادرة على التحرك بمجرد توفر الإرادة بل يتطلب فهما عمليا للشروط الاجتماعية التي تحكم سلوك الأفراد في سياق الحرب والعنف وانعدام الأمان
في واقع كهذا لا يكون العجز عن الفعل الثوري دليل على القبول بالأمر الواقع بل نتيجة مباشرة لارتفاع كلفة أي فعل جماعي فالمواطن الذي يواجه خطر القتل أو النزوح أو فقدان مصدر رزقه لا يتخذ قراراته السياسية في فراغ بل ضمن حسابات بقاء يومي تشمل أسرته ومحيطه الاجتماعي من هنا يصبح السؤال الحقيقي
ليس لماذا لم تتحرك الجماهير؟
بل
ما الذي يجعل التحرك ممكن وأقل كلفة؟
من التجربة التاريخية إلى الواقع السوداني
ان التاريخ بالتأكيد يعيد نفسه واننا لن نخترع العجلة فواقعنا السوداني هو واقع انساني بامتياز تتمظهر فيه تشابهات لتجارب أخرى عليه نرى في تجارب إنسانية سابقه ان الثورات لم تنجح اطلاقا عبر مبادرات فردية معزولة بل عبر شبكات اجتماعية منظمة تقلل المخاطر وتوزع الأعباء
التجربة الروسية في ثورتها البلشفيه كما التجارب الأوروبية في ثورة المجالس الشعبية في المانيا لأسقاط الإمبراطورية او الثورة الفرنسية التي سبقتها تُظهر أن الفعل الثوري يصبح ممكناً حين تتشكل بنى وسيطة بين الفرد والسلطة مثالا لا حصرا مجالس، نقابات، جمعيات، وروابط قادرة على حماية أعضائها وتوفير حد أدنى من الأمان الاجتماعي والسياسي.
في المقابل فإن الأنظمة السلطوية – سواء في أوروبا القرن العشرين أو في السياقات العربية والافريقية المحيطة بنا – أدركت مبكراً أن السيطرة لا تتحقق بالقمع المباشر وحده بل عبر تفكيك المجتمع المدني وتحويل مؤسساته إلى هياكل شكلية تابعة للسلطة.
حين تُفرغ النقابات من مضمونها وتُخضع الجمعيات التعاونية والروابط الأهلية للرقابة أو التمويل المشروط يصبح المجتمع عاجز عن إنتاج فعل جماعي مستقل حتى في لحظات السخط العام تتأخر الكتلة التاريخية او تنحاز انحياز مخطط له من قبل الدولة العميقة .
هذا المنطق يفسر جانبا كبير من المشهد السوداني الراهن مجتمع منهك تماما يمني نفسه بحياة وان كانت شقية ولكن حياة دعك من اماني الحياة السعيدة مجتمع شبكاته التضامنية استنزفت واستهلكت بفعل الحرب والتنظيمات القائمة إما مستهدفة أو مخترقة أو معزولة عن قواعدها الاجتماعية ان كان لها قواعد اساسا ولم تكن صدى نخب فوقية.
ما العمل في ظل هذا الواقع؟
انطلاقاً من هذا الفهم الواقعي، يمكن تصور مسار تحولي لا يقوم على القفز فوق الشروط الاجتماعية بل على إعادة بنائها تدريجياً عبر ثلاث مراحل مترابطة:
أولا إعادة بناء المجتمع قبل مواجهة السلطة
المرحلة الأولى ليست صدامية بل تأسيسية تهدف الى استعادة البنى الاجتماعية التي تجعل الفعل السياسي ممكن من حيث المبدأ يشمل ذلك دعم أشكال التنظيم الذاتي لجان الأحياء الخدمية لجان المقاومة السياسية الروابط المهنية المبادرات التعاونية النقابات المستقلة و منظمات المجتمع المدني الممولة ذاتيا اومحليا.
كما تشمل نشر الوعي السياسي وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان مع التأكيد على أولوية الحق في الحياة والكرامة في مواجهة منطق الحرب والاستقطاب.
هذه المرحلة تمثل صراع بطيئ داخل المجتمع نفسه هدفه تقليص قابلية الأفراد للانخراط في العنف وبناء أرضية ثقافية واجتماعية مشتركة تضعف سيناريوهات تسويق منطق الحرب.
ثانياً التنظيم من الأسفل كشرط للشرعية
مع تماسك هذه الشبكات يصبح ممكنا الانتقال إلى بناء مجالس محلية منتخبة وقابلة للمساءلة في القرى والأحياء والمدن. وظيفة هذه المجالس ليست فقط التعبير السياسي بل إدارة شؤون الحياة اليومية الخدمات الموارد التي بحكم المنطق مملوكة لمجتمعاتها المحلية بل وتساهم هذة التشكيلات في حماية المجتمع المحلي قدر الإمكان.
ربط هذه المجالس في إطار تنسيقي أوسع يمنحها وزن سياسي وشرعية شعبية حقيقية يمنع اولا اختطافها سياسيا من مجموعات انتهازية ويقلل كلفة المشاركة الفردية عبر تحويلها إلى فعل جماعي محمي نسبيا.
ثالثا قيادة مركزية بلا وصاية
في مرحلة لاحقة لاستقرار شكل التنظيم الشعبي أعلاه تنشأ الحاجة إلى قيادة سياسية مركزية تنسق بين هذه البنى الشعبية والقوى السياسية المتحالفة معها غير أن هذه القيادة لا تستمد مشروعيتها من النخب أو الاتفاقات المغلقة بل من تمثيل حقيقي ونسبي للقواعد المنظمة على الأرض مع آليات واضحة للمساءلة وتداول القيادة ومنع التمركز السلطوي.
بهذا المعنى تكون القيادة أداة تنظيم لا بديل عن المجتمع وضامن للتوازن بين الفعالية السياسية والشرعية الشعبية.
لماذا يختلف هذا المسار عن الدعوات السائدة؟
الفرق الجوهري بين هذا الطرح وغيره من الدعوات يكمن في ترتيب الأولويات فبدل من البدء بالمطالب السياسية الكبرى أو الاتفاقات النخبوية ينطلق هذا المسار من سؤال القدرة الاجتماعية على الفعل أي وقف الحرب وفق هذا المنطق لا يتحقق عبر النداءات المجردة او الدعوات والمناشدات للأطراف المشاركة في الحرب او استجداء لمحاور إقليمية مخالبها مغروسة بالفعل في جسد البلد بل عبر ضغط منظم صادر عن مجتمعات محلية قادرة على التعبير عن مصالحها وحمايتها.
كذلك فإن التركيز على بناء الهيمنة الثقافية والاجتماعية يقلل من احتمالات إعادة إنتاج الأزمة ويمنع اختزال الثورة في لحظة سياسية عابرة قابلة للاحتواء او تغيير المسار .
ختاما فان الواقع السوداني لا يحتمل حلول سريعة أو انقلابات سياسية معزولة عن المجتمع حيث اثبت تاريخه الحديث ذلك من وجهة نظري البسيطة ان المسار الممكن هو عملية متعددة المستويات
إعادة بناء النسيج الاجتماعي
تنظيم ديمقراطي من الأسفل
وقيادة مركزية خاضعة للمساءلة
وحده هذا التدرج يقلل كلفة المقاومة ويجعل الفعل الجماعي خيار قابل للحياة لا بطولة فردية معزولة
بهذا المعنى فإن التغيير ليس مسألة إرادة فقط بل مسألة بنية اجتماعية تعيد للناس قدرتهم على الفعل وتمنع الدولة العميقة وأدوات العنف من إعادة إنتاج نفسها من جديد.

