‫الرئيسية‬ ثقافة اللغة والخطاب: في الاقتصاد السياسي لمُفردَتَيْ “شفشفة” و”تفَلُّت” ( 16 )
ثقافة - 16 فبراير 2026, 7:15

اللغة والخطاب: في الاقتصاد السياسي لمُفردَتَيْ “شفشفة” و”تفَلُّت” ( 16 )

صلاح الزين

اللغة اختراع بشري. وككل اختراع، لا تَخرُجُ عن سيطرة من يتعاطاها وإكسابها دلالاتٍ وإحالاتٍ تَخرُجُ بها عن بِنيتها الدلالية وما تشي به في سيرورتها اللامتناهية التي لن تَخرُج، بِدَوْرِها، عن معطف بنية الخطاب الذي يشملها ويدثِّرها.

فهي، أي اللغة، بِنتُ ذاك الخطاب والذي، بِدَورِه، لا يَخرج عن اشتراطاتٍ تاريخية وثقافية وفكرية أنجبته. وتمتلك ذات الاشتراطات أنْ تجرفه وتعدمه: رحمٌ بمشيمةٍ يُنجِب وفي ذات الآن يَحتِف ويُقبِر.

استطراداً، اللغة لسانُ الخطاب الذي به يَنطِقُ ويَكتُب إنْ كان أطروحةً سياسية أو فكرية، قصيدةَ نثرٍ أو جوابٍ غرامي. فهي قَدَمُ الخطاب ونَعْلُهُ ودابتُهُ التي يتجول بها في براري الخطابات الأخرى، المجاورة والبعيدة، لعقد تحالفات آنية ودائمة.

فالخطاب صاحب بضاعة تُقتَنَى مبذولةٌ في السر والعلن لمن يشتري، سيان إنْ كان بحصافة أو نزوع رغبوي.

واللغة كحامل لذاك الخطاب وقبو أسراره ومصالحه أياً كانت ثقافية أو سياسة أو فكرية أو حتى جمالية، أقول اللغة ليست بمنجاة من تجريفٍ دِلاليٍّ وإبدالٍ سيمانتيكي بها يطِلُّ الخطاب، كَبِنيةِ تمثلاتٍ مشروطة ومحزومة بشرطها الراهن في تاريخيته، على جمهور المتبضعين في بقالات الله أكبر الأسفيرية أو الماثلة.

تهاجر الدلالات والمعاني ويتم تسكينها في حيزات لا تقضي أو تهدد وجودها وإنما إزاحتها مما ألِفتَهُ وسَكَنها وسكَنتُهُ لتقول ما يود الخطاب قوله في راهنيته وإنْ استلزم ذلك تفجير دلالتها السابقة وإحالاتها وذروها لريح بلا رسن وبوصلة. فتختلط المفردة بصبوات النية وأشواق النوايا كيلا يضل الخطاب دَربَهُ وإنْ سار به في ماء خطابات أخرى، راهنة وسابقة.

ولأن اللغة اختراعٌ بشريٌّ ماكرٌ لا يقتضي توزُّعُها على بنية خطابات مختلفة انبهام دلالاتها في ركب تلك الخطابات، فالأخيرة أشد وأمضى مكراً مما يُمَكِّنها من غزلِ ما يبدو اختلافاً دلالياً وقاموسياً في مفرداتها لتحيل لذات المعنى والدلالة وإنْ تجاذبتها تلك الخطابات في اختلافها. ما يهم هو قول ما يود الخطاب قوله وإنْ تغاير اللسان والمعجم: السياق أولاً والصياغة تالياً. السياق يصوغ ما يراه ضرورةً لتأبيد سيطرته ولا يرى غضاضةً في عدم ستر عورة الصياغة وإنْ كانت بوضوح ظهيرة تسوط جبلاً.

حرب أبريل 2023 مرآةٌ ناصعة لكيفية سيطرة الخطاب على أدوات الصياغة حتى تخوم اندثارِ مفرداتٍ وميلادِ مفرداتٍ أخرى من دون الخروج على الأبجدية والتشكيل.

مثلما أطلَّ الديسمبريون من فوق شرفةِ صباحٍ بقاموسٍ وتراكيبَ لسانية مغايرة، كذلك كانت إطلالةُ الحربِ وخِطابُها بحوامِلِه ورافعاته ذات الرأسين. لسانان يجمع بينهما رَحِمُ ذات الخطاب ويَرضَعان من ذات الثدي: فلْتتعدد الألسنُ لتقول ذات القول بشرط أن لا تحيد عن الصعود فوق ذات درج الخطاب.

أَنجبَ خطابُ حرب أبريل، ضمن ما أنجب، ميلادَ أو استحداثَ مفرداتٍ جديدة بدلالاتٍ وإحالاتٍ مغايرة لتحل مكان مفردات وتوصيفات أخرى كان لها معنىً مغايراً: “الشفشفة” و”التفَلُّت”.

بعض الحروب لا تخلو من لِبسِ ثوبِ الحياء والحشمة من غير أن يكون تمام انفلاتها من طوق التوحش والإفناء. وهنا تكون اللغة بامتياز تلك العصاة التي تُرشِدُ قطيع الحرب إلى سواء السبيل وإنْ تنكبَتَهُ.

يصيب المفردة المستحدَثة والتوصيف مَسٌ من رحمة فتقول إذْ لا تقول رفقاً بأدب الخطاب ونصاعة بياض عباءته وإنْ استلزم ذلك حلْب شطر الأبجدية لبناً يُعطِبُ ذات الشطر ويُمرِضُهُ. فكان أنْ حَلّت مفردة “الشفشفة” ودلالاتها محل مفردة “النهب” looting. فكان أن أُطلِقَ على نهب “الجنجويد” لممتلكات سكان المدن والحَلّال والقرى “شفشفة” وليس “نهباً”.

شملت “الشفشفة”، فيما شملت، السيارات، الذهب، الأموال، الأثاثات، وصولاً إلى التركتورات والبذور المُحسَّنة في ولاية الجزيرة ولم يسلَم من ذلك حتى تقاوى الحصاد والحيوانات من أبقار وأغنام.

اُستُبدِلت كلمة “نهْب” بمفردة “شفشفة” حتى لا يَصِمّ قاموس الخطاب “الجنجويدي” آذان الضحايا. فالكلمة، أياً كانت، لا تَخرُج عن بنية دلالتها اللغوية والصوتية على أُذْن المخاطَب والمستمع والقارئ. فكلمة “شفشفة” ذات جَرْسٍ صوتيٍّ ورنينٍ أخفّ وطأةً من كلمة “نهْب” بكل حمولاتها التاريخية وما تقطُرُه من الاقتصاد السياسي لمعناها ودلالاته منذ تاريخ الاستعمار وscrambling of the colonies.

وقْعُ جَرْسِ مفردة “الشفشفة” أقل طنيناً على الأذن من كلمة “نهْب”. الأولى في اشتقاقها اللغوي تحيلُ، فيما أظن، إلي مفردة “شفتنة” بمعناها الدارجي في لغة الأهالي والتي لا توصِف ما نَهبَهُ “الجنجويد” من ممتلكاتٍ وتدمير كامل البنى التحتية أينما حطوا رحالهم.

كان الأجدر إطلاق صفة “شفشفة” فيما لو نهبَ “الجنجويد” صفيحة زيت بدلاً من سرقة جَمَل حتى يكون للهمباتي الطيب ود ضحوية كبرياءه في رفضه أن يتم سَجْنُهُ في مَحبَسٍ واحدٍ معيةَ مَن سرَقَ صفيحة زيت وهو الذي يسرق “مراح ألبِلْ” !!!

تُرى ما هي المفردة على غرار مفردة “الشفشفة” لتوصيف مَن اُغتُصِبنَ واستُبِحنَ وسُبيِن؟؟!!

أردفَ الخطاب “الجنجويدي” مفردة “التفلُّت” فوق سرج دابة كلمة “الشفشفة” بذات المِقْوَد والرسن وعلف الدابة حتى ينزع عنها عورتها ووقعها ويغدو “التفلُّت” هُوَ هُوَ ذات “الشفشفة” ومن يقوم به مجموعة “شفشافين” خارجين عن القانون، كما يقول إعلامهم، لا جنوداً أشاوس امتطوا أكباد الإبل وأَغذُّوا سير القوافل بحثاً عن مضارب الديمقراطية وعدالة توزيع الثروة. يقول إعلامهم أن أكثر من ثمانين في المئة من الأراضي السودانية تحت سيطرتهم مقابل نزوح وتنزيح الملايين من سكان تلك المناطق بعد أن تم نهبهم وإذلالهم.

كيف لحفنة “شفشافة” خارجين عن القانون أنْ أوتوا القدرة على السيطرة على ما يفوق الثمانين في المئة من أرض البلاد؟؟!! بل بلغت بهم السفاهة أن أُوتوا الحياء والشجاعة ليتعاطوا مع المعنيين بقضية المجاعة وهُم مَن نكَّلَ وطَرَدَ جموع المزارعين من حواشاتهم وبلداتهم؟!

إنه الخطاب، خطاب الحرب، ونزهته وتنزُّهِهِ في بستان اللغة وأناقة سَطوِهِ على كِلا النحلة والوردة ليختنق العسل وتموت اللذة. الخطاب في أقصى شراسته وهو يعلو صهوة جواد اللغة فيكون الصهيل كما الثغاء واللغة لا تقول إذ تقول ما يود الخطاب قوله والإفصاح عنه.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 3.7 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *