
هذا شعب كريم وينبغي أن يعامل بكرامة
عمار الباقر
كنا قد تناولنا قبل أسابيع قليلة مسألة قيام الحكومة المصرية بترحيل السودانيين المقيمين داخل الدولة المصرية بالمخالفة للقوانين الوطنية المصرية، وقد توخينا حينها تبني موقف متوازن انطلاقاً من مبدأ عدم التدخل واحترام السيادة الوطنية، وإدراكاً منا أن أبناء شعبنا المقيمين في مصر قد استجاروا بدولة يقودها نظام حكم سلطوي أمني بامتياز. ولم يكن يخطر ببالنا آنذاك أن يصل الأمر إلى حد ارتكاب جرائم قتل بدم بارد بحق أطفال سودانيين داخل دور الاحتجاز المصرية.
إن إقدام السلطات المصرية على ارتكاب جرائم قتل مكتملة الأركان، بعضها بحق أطفال داخل أقسام الشرطة، يتجاوز مسألة احترام السيادة الوطنية إلى طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الدولة المصرية ككيان يدّعي احترام القوانين والأعراف الدولية، بل وحتى احترام قوانينه الوطنية. كما لم يترك لنا خياراً سوى التصدي والدفاع عن حياة وكرامة أبناء شعبنا المقيمين في مصر، وهو ما سنقوم به بكل جدية وصرامة. فحياة المواطن السوداني وكرامته ليستا موضع مساومة. ونؤكد هنا أن هذه المواجهة موجهة ضد سياسات السلطات المصرية، ولا صلة لها بالشعب المصري، الذي يشهد السواد الأعظم من السودانيين المقيمين في مصر، وباستثناء بعض الأصوات الشاذة، بأنه استقبل إخوته السودانيين بكرم وأريحية، واحتضنهم بما خفف عنهم كثيراً من آلام محنتهم. وليس ذلك غريباً على الشعب المصري، الذي فعل الأمر ذاته سابقاً مع شعوب شقيقة أخرى، ونحن شعب لا ينسى المعروف ويفرق جيداً بين الشعوب وحكوماتها، لكنه في الوقت نفسه لا يتنازل عن حقوقه.
لم يلجأ السودانيون إلى مصر وحدها، بل لجأوا إلى العديد من الدول الأفريقية والعربية التي نكن لها الاحترام والتقدير على كرم الضيافة وحسن الاستقبال، وفي مقدمتها أوغندا وإثيوبيا وكينيا والمملكة العربية السعودية، حيث لم نسمع عن مواطن سوداني واحد قُتل داخل سجون هذه الدول على يد سلطاتها.
إذا ما صحت الأنباء المتعلقة بوفاة الطفل النذير الصادق والمواطن السوداني مبارك قمر الدين (67 عاماً) داخل أقسام الشرطة المصرية، فإن ذلك يشكل جريمة تستدعي تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، بل ومحاسبة عادلة لكل من يثبت تورطه في هذه الجريمة النكراء. فإذا أرادت الحكومة المصرية أن ينظر إليها السودانيون كدولة مسؤولة يمكن الوثوق بها مستقبلاً، فعليها أن تتعامل مع الأمر بالجدية اللازمة. أما إذا تجاهلت القضية، فستظل حاضرة في وجدان الشعب السوداني في أي ملف يتعلق بالعلاقات السودانية المصرية مستقبلاً. فالحرب ستتوقف عاجلاً أم آجلاً، وستجد الحكومة المصرية نفسها مضطرة للتعامل مع طبقة سياسية سودانية جديدة أكثر نزاهة وحرصاً على حقوق شعبها، بدلاً من هذه المجموعة من السياسيين الذين اعتادت التعامل معهم.
إن ما يجري اليوم هو نتيجة منطقية لسياسة ذات طابع أمني بحت، حيث أُغلقت المنافذ الرسمية للدخول إلى الحد الأقصى، وابتُدعت مسارات بديلة هدفها الاستثمار في معاناة السودانيين وجباية العملات الصعبة منهم عبر الموافقات الأمنية، مع التغاضي عن شبكات تهريب المهاجرين التي يدخل عبرها المواطنون السودانيون إلى مصر. وقد أدى ذلك إلى جعل إقامة الغالبية العظمى من السودانيين في مصر في وضع قانوني هش، بما يفتح المجال أمام الأجهزة الأمنية للتعامل معهم دون ضمانات حقوقية كافية.
في ظل غياب دولة سودانية راشدة تدافع عن قضايا شعبها وتحمي حياتهم وكرامتهم، لم يبق أمام شعبنا سوى النهوض بمسؤولية حماية أبنائه في مصر، عبر تعزيز التواصل بين السودانيين أنفسهم، ومتابعة حملات المداهمة والاعتقال، وبناء شبكات مناصرة للدفاع عن حقوقهم، وربط هذه الشبكات بمنظمات حقوق الإنسان الإقليمية والدولية.
كما أن الرصد والتغطية الإعلامية للانتهاكات التي يتعرض لها المواطنون السودانيون ضرورة ملحة، لاطلاع الرأي العام السوداني والعالمي عليها، وخلق أوسع تضامن ممكن مع اللاجئين السودانيين في مصر. فإذا أرادت الحكومة المصرية ترحيل أبناء شعبنا، فعليها أن تقوم بذلك بكرامة ووفقاً للأعراف والقوانين الدولية. أما سلب حياتهم بهذه الطريقة البشعة، وبالمخالفة لالتزامات الدولة المصرية القانونية أمام العالم وأمام شعبها، فهو أمر غير مقبول على الإطلاق. إن ما يُثار اليوم ليس مجرد واقعة عابرة أو حادثة يمكن تجاوزها بالصمت أو الإنكار، بل هو اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة المصرية بالقانون وسيادة العدالة واحترام حقوق الإنسان، خاصة تجاه الفئات الأضعف من اللاجئين الذين لجأوا إليها طلباً للأمان. إن حماية حياة وكرامة السودانيين المقيمين في مصر ليست مطلباً سياسياً عابراً، بل حق إنساني أصيل تكفله القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي يفترض أن تلتزم بها جميع الدول دون استثناء.
إننا نؤكد أن العدالة وحدها عبر تحقيق مستقل وشفاف ومحاسبة عادلة هي الكفيلة بترميم الثقة ومنع تعميق الجراح بين الشعبين. كما نجدد التمييز الواضح بين مواقف السلطات وسياسات الحكومات من جهة، والعلاقات الأخوية والتاريخية التي تجمع الشعبين السوداني والمصري من جهة أخرى. فالشعوب تبقى، أما السياسات فتتغير.
وفي نهاية المطاف، فإن صون كرامة الإنسان هو المعيار الحقيقي لشرعية أي سلطة، وهو الأساس الذي تُبنى عليه علاقات مستقبلية مستقرة ومحترمة بين الدول. وستظل حياة المواطن السوداني وكرامته خطاً أحمر لا يقبل المساومة، أياً كانت الظروف.

