
مع اقتراب رمضان.. طقوس سودانية مفقودة وأزمات طاحنة
مداميك: ندى رمضان
مع اقتراب شهر رمضان، يواجه السودانيون تحديات كبيرة في التجهيزات الرمضانية، حيث يصطدم الواقع المعيشي الصعب بأحلامهم في شهر رمضان. الحرب المستمرة والاقتصاد المنهار أثرا على حياة الملايين، مما يجعل من الصعب على الأسر توفير احتياجاتها الأساسية ما يستدعي تدخلات عاجلة لتغطية الاحتياجات الضرورية..
تفاقم المعاناة:
الحاجة أم الحسن وجدناها تجلس على كرسي خشبي مشغولة بترتيب معروضاتها (ويكة، شطة، دكوة، كسرة، وثوم) في أحد أسواق الخرطوم بمنطقة الحاج يوسف، ولم تخف ملامحها الهموم ورهق انتظار المشترين، حيث يعاني السوق ركودا واضحا، واكدت ذلك بقولها انه يمر على يوم دون كسب وأحيانا تعود بما يكفي حاجتها.
فغالبية السكان بالمنطقة يعملون بالأعمال الحرة والمهن الهامشية التي بالكاد توفر لهم قوت يومهم، ورغما عن ذلك قابلتنا بابتسامة عريضة وهي تقلب في كفها أوراقا نقدية بالكاد تكفي لشراء ربع احتياجات يوم واحد. وقالت “انا أم لثلاثة اطفال وابنتان يدرسون بالجامعة، وزوجي حرفي “حداد” والآن أعمال البناء شبه متوقفة بسبب أوضاع الحرب، لتصبح هي المعيل الوحيد لتلك الأسرة”.
سألناها عن تجهيزات شهر رمضان الفضيل كعادة اوطقس سوداني درجت الأسر السودانية على الاستعداد له بشراء المستلزمات من مكونات الطعام والسكر والمشروبات التقليدية كالحلو مر والقنقليز والكركدي والرقاق بجانب شراء الأواني المنزلية فقالت “رمضان كنا بنستناه… الليلة بنخاف منو”، في إشارة منها للضائقة المعيشية التي تعيشها الالاف الاسر السودانية بسبب حرب الجيش والدعم السريع التي دخلت عامها الثالث دون اكتراث لشعب بات يعاني ما يعاني، وأضافت أم الحسن “أضحت المستلزمات بعيدة المنال الأسعار مرتفعة وما نجده يصرف للوجبات اليومية” ورمضان بجي بخيرو”.
ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تغيّرت حياة الأسرة بالكامل. فقد زوجها عمله في ورشة صغيرة كانت مصدر دخلهم الوحيد، ونزحت الأسرة لأشهر قبل أن تعود إلى منزل متضرر بلا خدمات مستقرة. وحالة أم الحسن ليست حالة فردية، بل واقعًا واسع الانتشار.
حملات مطاردة:
ومع ذلك تصاعدت شكاوى المواطنين من احتكار المساعدات الإنسانية وعدم وصولها إلى مستحقيها، خصوصًا الأسر العائدة التي لا تملك أي مصدر دخل ولا تتلقى دعمًا إغاثيًا منتظمًا.
وفي الوقت ذاته، تُنفذ حملات إزالة ومصادرات مرتين أسبوعيًا تستهدف الباعة وأصحاب المحال التجارية. وقد شكا عدد من التجار من فرض غرامات وصفوها بـ”التعجيزية”، معتبرين أنها تزيد معاناتهم في ظل وضع اقتصادي منهار، خاصة وأن كثيرين منهم فقدوا ممتلكاتهم خلال الحرب واضطروا للبدء من الصفر.
وبين الحاجة والواقع هذه التحديات مجتمعة تجعل الاستعداد لرمضان عبئًا ثقيلًا بدل أن يكون موسمًا للفرح والتكافل، فيما تبقى الحاجة ماسة إلى تدخلات عاجلة تخفف من وطأة الأزمة على المواطنين، وتضمن وصول الإغاثة بعدالة وشفافية إلى الفئات الأشد احتياجًا.
فجوة في الدخل:
وقد أظهرت دراسة حديثة صادرة عن لجنة المعلمين السودانيين أن تكلفة المعيشة الشهرية لأسرة متوسطة من خمسة أفراد تجاوزت مليونًا ونصف المليون جنيه سوداني، بينما لا تتعدى رواتب كثير من العاملين في القطاع العام عشرات الآلاف من الجنيهات ما يعني فجوة هائلة بين الدخل ومتطلبات الحياة الأساسية.
أحد الأطباء -فضّل حجب اسمه- قال إن راتبه الشهري لا يغطي سوى بضعة أيام من المصروفات حيث لا يتجاوز الـ(300) ألف جنيه، مضيفًا: “نحن نعمل، لكننا عمليًا بلا دخل حقيقي. الراتب فقد قيمته بالكامل بسبب التضخم”.
كفاح النساء:
والمراقب للأسواق الشعبية بالخرطوم يلاحظ ان النساء اليوم الأكثر حضورًا في محاولة لتأمين دخل يومي عبر بيع الشاي والزلابية والمخبوزات أو السلع البسيطة. وكثيرات أصبحن المعيل الوحيد لأسر فقدت مصدر رزقها بسبب النزوح أو تدمير الأنشطة التجارية. إحدى البائعات تقول: نطلع من الصباح بدري عشان نلحق نبيع قبل الكشة… لو صادروا الحاجة خلاص اليوم ضاع”.
بين القلق والأمل:
في ظل هذه الظروف، لم تعد موائد رمضان كما كانت، الأطباق التقليدية تقلصت، والوجبات صارت محسوبة ومع ذلك، لا يزال السودانيون يحاولون التمسك بروح التكافل عبر مبادرات شعبية لتوفير وجبات إفطار جماعية أو دعم الأسر الأشد حاجة.
حواء إسماعيل ربة منزل تسكن الحاج يوسف تقول “في رمضان الماضي والاستعداد له كان الأمر متروك للتكايا والمطابخ الخيرية، اما هذا العام ورغم الاستقرار نسبيا لم نتمكن من شراء أي من مستلزمات رمضان حتى الآن، فالأسعار مرتفعة ولا يوجد دخل ثابت فقط نعتمد على المغتربين وبالكاد يكفي نحصل عليه لوجبة واحدة في اليوم، وأضافت “إن شاء الله رمضان يأتي بخيره”.
أما فاطمة إسحق تقول “الحالة صعبة والحرب خلتنا نتصرف بميزانية طوارئ فقط لإنقاذ أرواحنا ووجبة واحدة تسد الرمق. فيما يقول أحمد علي الذي يسكن الخرطوم وسط: “خالينها على الله حتى الآن لم أوفر مستلزمات رمضان”. غير أن التحدي الأكبر يبقى في سؤال بسيط أطلقه أحمد وهو يهم بإغلاق باب متجره البسيط “إلى متى سنعيش بين نار الحرب وغلاء المعيشة؟”.
في بلد أنهكته الحرب، بات رمضان اختبارًا جديدًا لقدرة الأسر على الصمود وصورة مكثفة لأزمة اقتصادية واجتماعية تتجاوز حدود الأرقام إلى تفاصيل الحياة اليومية نفسها.
ميزانية الحرب:
من جهته يرى الخبير الاقتصادي د. أحمد التجاني في حديث لـ(مداميك) أن الأزمة الحالية ليست مجرد ارتفاع أسعار، بل نتيجة مباشرة لإعادة توجيه موارد الدولة، واضاف أن الحرب تسببت في انكماش اقتصادي حاد وتراجع في الإنتاج والإيرادات العامة، بينما ارتفع الإنفاق العسكري على حساب قطاعات التعليم والصحة والخدمات.
ويقول إنه عندما تتحول ميزانية الدولة إلى اقتصاد حرب، يتقلص الإنفاق الاجتماعي تلقائيًا، ويكون المواطن الحلقة الأضعف، لأن دخله ثابت أو متوقف، بينما الأسعار تتحرك بلا سقف”.
وبحسب تقديرات اقتصادية غير رسمية، فقد الاقتصاد السوداني نسبة كبيرة من نشاطه الإنتاجي، وتوقفت آلاف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ما أدى إلى فقدان ملايين الأشخاص لمصادر دخلهم.

