‫الرئيسية‬ مقالات محاولة لإعادة قراءة المشهد السياسي السوداني (1)
مقالات - 14 فبراير 2026, 8:39

محاولة لإعادة قراءة المشهد السياسي السوداني (1)

السلام علي طريقة ترمب

عمار الباقر
طغى على المشهد السياسي السوداني خلال الفترة الأخيرة عددٌ من الأحداث التي أخذت برقاب بعضها بعضًا على المستويين الداخلي والخارجي. فعلى المستوى الخارجي، أتت تصريحات مسعد بولس التي بشّرت بقرب التوصل إلى اتفاق سلام، ومؤتمر المانحين للسودان الذي دفعت فيه الإمارات الحصة الكبرى من التبرعات، مع لغطٍ غير مُعلنٍ وكثيف حول دور قوي لها خلف الكواليس. كما أتت جولة قادة «صمود» إلى عدد من الدول الأوروبية ودول الاتحاد الأفريقي، والتي قاموا فيها بالهجوم على حكومة البرهان وتجديد الاتهام لها باستخدام الجيش للأسلحة الكيميائية.
من ينظر بعينٍ فاحصة إلى أسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في التعامل مع النزاعات المسلحة في مناطق متعددة من العالم، وعلى رأسها النزاع في غزة، والنزاع بين الكونغو ورواندا، والنزاع بين الهند وباكستان، والنزاع الروسي الأوكراني، سوف يكتشف مسألة مدهشة؛ وهي أنه لم يتم توقيع وثيقة اتفاق سلام واحدة في كل هذه النزاعات، فيما عدا بعض الوثائق الإجرائية التي تم توقيعها بين إسرائيل وحماس حول بعض المسائل المتعلقة بوقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الرهائن، وكيفية إدارة قطاع غزة.
كذلك، من يتابع الأسلوب الذي يتبعه مسعد بولس، رجل الأعمال الأمريكي المولود في لبنان، والذي بدأ نشاطه في نيجيريا بتجارة الشاحنات والمعدات الثقيلة، والذي هو أيضًا صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (والد زوج ابنتة تيفاني)، في التعامل مع النزاعات في عدد من الدول الإفريقية مثل النزاع بين الكونغو ورواندا والنزاع الداخلي في ليبيا، يلحظ أن أسلوبه قد اتسم بالآتي:
1. وضع قضية وقف إطلاق النار والهدنة كأولوية دون الغوص في الأسباب السياسية للنزاعات.
2. التركيز على الشراكات الاقتصادية والسياسية كاستراتيجية أوسع لتعزيز النفوذ الأمريكي.
3. التعاون الاستراتيجي مع شركاء إقليميين ودوليين مثل الرباعية العربية والاتحاد الأفريقي للعب دور سياسي ثانوي مكمّل.
بناءً على ما سبق، فإن أولئك الذين يتطلعون إلى مفاوضات سياسية ماراثونية تنتهي بوثيقة اتفاق سلام على شاكلة اتفاق الطائف في لبنان، أو نيفاشا في السودان، أو وثيقة العهد والاتفاق في اليمن، فعليهم مراجعة حساباتهم.
ما سوف يتم هو مجرد ترتيبات أمنية تشمل المجموعات المسلحة الرئيسية المسيطرة على المشهد العسكري، تتبعها سلسلة من الاتفاقات غير المعلنة، بل وقد تكون غير مكتوبة أيضًا، تضمن المصالح الحيوية لأطراف النزاع؛ على شاكلة الاتفاق الذي تم بين قادة الجيش وميليشيا الدعم السريع في هجليج، والاتفاق الذي تم لإعادة فتح مطار الخرطوم أيضًا بين قادة الجيش والدعم السريع. فالشعب السوداني ليس ساذجًا، ويعلم أن تحالف قادة الجيش والمليشيات القابع في بورتسودان ليس لديه القدرة على إعادة تشغيل الخدمات الأساسية للخرطوم من كهرباء ومياه، وإعادة تشغيل مطار الخرطوم وعودة الحكومة إليها دون اتفاق بين الجيش وميليشيا الدعم السريع برعاية قوة دولية قادرة على ضمان تنفيذ هذا الاتفاق. وهذا هو أسلوب مسعد بولس ومن خلفه إدارة ترمب في فض النزاعات. والسؤال المهم هنا: ماذا حصل الدعم السريع من البرهان مقابل كل هذه المكاسب التي حصلت عليها بورتسودان؟
إن أولئك الذين يحلمون بسلطة حكم مدني ديمقراطي تأتي به الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي لأجل عيون الشعب، ومن منطلق قناعة أمريكا وأوروبا الراسخة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، عليهم الاستيقاظ من حلمهم الجميل، ولينظروا إلى ما جرى ويجري في غزة وأوكرانيا وفنزويلا وغرينلاند.
إن السلام على طريقة ترمب ومسعد بولس هو مجرد وقف إطلاق نار دائم وتطبيع ما هو قائم على الأرض من توازنات قوى، مع تسوية ذات طابع تجاري يتم فيها ضمان مصالح جميع الأطراف المتحاربة، ومن يقف وراءها من دول النفوذ الدولي والإقليمي في السودان، من أجل نهبٍ سلسٍ لموارد البلاد وإيجاد موضع لها على خارطة التبعية.
أما مسألة قضايا الديمقراطية والتحول المدني والمحاسبة وغيرها من الشعارات، فهي مجرد كريمة خارجية تُوضع بعد اكتمال صنع الكيكة بطريقة لا تؤثر على شكلها وطعمها الحقيقي. وبالتالي، فكل من يتطلع إلى تحول مدني ديمقراطي حقيقي، فعليه مفارقة هذا الدرب والعودة إلى العمل السياسي الحقيقي وسط مختلف فئات الشعب السوداني وطبقاته، وهو طريق شائك، ولكن نتائجه مضمونة.
نتوقف هنا فيما يتعلق باعادة قراءة وتحليل الدور الخارجي فيما يجري بالسودان حالياً وفي المقال القادم سوف نتطرق الي إعادة قراءة وتحليل المشهد الداخلي السوداني الحالي.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *